دراسة لمخطوط أبي بكر محمّد بن زكريّا الرازي

"رسالة في أوجاع المفاصل"

Study of Abu-Bakr Muhammad Ibn-Zakariya al-Razi's Manuscript

"Treatise of Joints' Pains"

د. عبد الناصر كعدان

د. محمود عنجريني

الكلمات المفتاحية: تاريخ الطب، الطب الإسلامي، وجع المفاصل، الرازي، عرق النسا، وجع الورك.

الملخص

من بين ما يقارب مائتي مُؤَلَّف منسوب إلى أبي بكر الرازي، تحتل رسالة أبي بكر الرازي في أوجاع المفاصل مكانة متميزة؛ فهي تُعتَبَر من أوائل المؤلفات الطبيّة المستقلّة التي أُلِّفَتْ في مجال أمراض المفاصل، وعلى الرغم من هذه الحقيقة، لم تنل هذه الرسالة اهتماماً كافياً من الباحثين في مجال تاريخ الطبّ.

قدّم الرازي في رسالته دراسة متفحصة وعميقة لأمراض المفاصل تجاوزت دراسات الأطباء العرب والإغريق السابقين له، فقد قسّمَ رسالته إلى اثنين وعشرين فصلاً، بحثَ فيها في الأسباب المُحْدِثَة لأوجاع المفاصل، وقسّمَ آلام المفاصل إلى أصناف وذكر علاج كلٍّ منها، وخصّص فصلاً خاصّاً لكل من عرق النسا ووجع مفصل الورك، ولم يُغْفِلْ الحديث عن طرُق الوقاية والاحتراس من آلام المفاصل.

في هذا البحث، نتطلع إلى تناول رسالة أبي بكر الرازي بمزيد من التدقيق والتمحيص، ومقارنة ما ورد فيها مع مؤلفات الرازي الأخرى، لعلّنا نستطيع معرفة أهمية هذه الرسالة في تاريخ الطب ومحاولة تحديد دور الرازي ومساهماته في هذا الحقل الطبي الذي استحقّ اهتماماً كبيراً في الطب القديم والحديث على حدٍّ سواء.

 

دراسة لمخطوط أبي بكر محمّد بن زكريّا الرازي

"رسالة في أوجاع المفاصل"

Study of Abu-Bakr Muhammad Ibn-Zakariya al-Razi's Manuscript

"Treatise of Joints' Pains"

 

يُعتَبَر أبو بكر محمد بن زكريا الرازي (250هـ/864م - 311هـ/923م) واحداً من أهم وأشهر الأطباء على مرّ العصور، ولأن سيرته لا تخفى على أي مؤرخ للطب سيكون إضاعة للوقت والجهد الخوض في تفاصيل حياته. لقد اشتهر الرازي بمنهجيته العلمية وبأنه أرسى الطب على قاعدة البحث السريري الإكلينكي، وعلى الرغم من أن الحاوي هو أشهر مؤلفاته إلا أنه أبدع في صياغة العديد من المؤلفات الأخرى مثل المنصوري، الفاخر، الشكوك على جالينوس، ورسالة في الحصبة والجدري.. وأيضاً: رسالة في أوجاع المفاصل وعلاجها.

على الرغم من أهمية هذه الرسالة، كما سيتبيّن لاحقاً، لم تلقَ هذه الرسالة اهتماماً كافياً من قبل مؤرخي الطب، ربّما لعدم صدور نسخة محققة منها حتى الآن وقلّة نسخ هذه المخطوطة وتواجد هذه النسخ في طهران ولندن مما يفسر بُعدها عن أيدي الباحثين العرب.

         في البداية ينبغي التمييز بين مخطوطتين للرازي هما مخطوطة "أوجاع المفاصل" وهي محور بحثنا ومخطوطة "في النقرس" وهي مخطوطة مختلفة تماماً قام بتحقيقها أ.د. يوسف زيدان في عام 2003.  خاصةً أن العديد من مؤرخي الطب العرب في العصر الحديث قد خلطوا بين المخطوطين، فعلى سبيل المثال د. سامي خلف حمارنة في كتابه تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب والمسلمين يقول في الفصل الذي خصصه للرازي بين الصفحات (187-213) في كتابه: "واختتاماً لهذا الفصل نذكر مقالة أخرى صغيرة في أوجاع النقرس والمفاصل"،  ومن خلال وصفه لنسخ المخطوط وعدد أبوابه يترجّح لدينا أنها ليست سوى رسالة الرازي "في النقرس". وقع زهير حميدان في خطأ مشابه أيضاً، حيث ذكر من مؤلفات الرازي "كتاب النقرس وأوجاع المفاصل"، وعند تعداده نسخ هذا المخطوط الذي ذكره يذكر نسخاً من مخطوط "في النقرس" مثل نسخة المكتبة البلدية بالإسكندرية، ونسخة كوبرللي بإستانبول، ثم يذكر نسخة من مخطوط "في أوجاع المفاصل وعلاجها" وهي نسخة مكتبة مالك بطهران.

  

نسبة المخطوط إلى الرازي:

ذكر القفطي في كتابه إخبار العلماء بأخبار الحكماء هذه المقالة بعنوان "كتاب أوجاع المفاصل"، إضافة إلى ذكره مقالة "كتاب النقرس والعرق المديني".

ذكر ابن أبي أصيبعة من بين المؤلَّفات التي كتبها الرازي، كتاب في علل المفاصل والنقرس وعرق النسا، وهو اثنان وعشرون فصلاً، وهو على الأرجح محور بحثنا، وكتاب آخر صغير في وجع المفاصل. 

يؤكد البيروني في رسالته في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي والتي اعتنى بنشرها وتصحيحها ب. كراوس سنة 1936م عن المخطوط الوحيد المحفوظ في مكتبة ليدن أن هناك مقالتين مختلفتين: الأولى "كتاب في النقرس وأوجاع المفاصل" والثانية "في النقرس".

أما الزركلي في كتابه الأعلام فيذكر من مؤلفات الرازي "مقالة في النقرس" ويغفل ذكر "مقالة في أوجاع المفاصل".

وأخيراً، ففي بداية مخطوط "أوجاع المفاصل نجد العبارة التالية "رسالة لمحمد بن زكريا الرازي في أوجاع المفاصل وعلاجها"،  مما يؤكد نسب المخطوط للرازي.

نسخ المخطوط في مكتبات العالم:

         لقد تبين لنا بعد البحث في العديد من المصادر مثل كتب سزكين وبروكلمن ورمضان ششن  وعادل البكري  وغيرها توفر ثلاث نسخ لهذا المخطوط في مكتبات العالم هي:

النسخة الأولى: نسخة مكتبة مالك Malik في طهران-إيران برقم (4573/i8).  نسخت على يد "منصور بن ولي الله" في عام 1086هـ. تتألف النسخة من 13 ورقة، كل وجه يتألف من حوالي 43 سطراً، وكل سطر يتألف وسطياً من 20 كلمة.

النسخة الثانية: نسخة مكتبة مالك Malik في طهران-إيران برقم (4442/i).   نسخت على يد "ابن حاج معصوم" في عام 1243هـ. تتألف النسخة من 60 ورقة، كل وجه يتألف من حوالي 15 سطراً، وكل سطر يتألف وسطياً من 12 كلمة. 

النسخة الثالثة: تشكل هذه النسخة الفصل الثلاثين من مخطوط "الفصول المهمة في طب الأمة" للطبيب "ابن شرابيون إبراهيم المتطبب". نسخة مكتبة جامعة كامبردجCambridge  في لندن-بريطانيا برقم (3516).  لم تتوفر معلومات عن الناسخ وتاريخ النسخ. تتألف المخطوطة كاملة من 235 ورقة، أما الفصل الثلاثون فيتألف من 33 ورقة، وكل وجه يتألف من حوالي 25 سطراً، وكل سطر يتألف وسطياً من 14 كلمة.

موقع المخطوط وأهميته في تاريخ الطب:

         لدى قيامنا بتفحص الترجمة الإنكليزية للمجموعة الكاملة لأعمال أبقراط،  تبين وجود مقالة تدعى "On The Articulations" أي "في المفاصل". وعند قيامنا بفحص المحتوى العلمي لهذه المقالة تبين أنها تُعنى بما يُعرف حالياً بالجراحة العظمية "Bone Surgery" حيث تخصصت هذه المقالة بالكسور والخلوع وأذيات العمود الفقري وغيرها؛ وبهذا فهي لا تبحث في أوجاع المفاصل أو ما يدعى حالياً بالأمراض الرثيّة Rheumatology.

         أما جالينوس، فقد حاولنا البحث عن مُؤَلَّف مستقل في أمراض المفاصل له، وتبين لنا عدم وجود كتاب مستقل في هذا الموضوع، علماً أننا قد قمنا بتفحص مؤلفات جالينوس في كتاب ابن أبي أصيبعة  وكتاب جمال الدين القفطي،  كما قمنا بتفحص "رسالة حُنين بن إسحاق إلى يحيى بن علي في ذكر ما تُرجم من كتب جالينوس"  ولم نجد ذكراً لأي مؤلَّف مستقل في أمراض المفاصل أو النقرس.

         وَردَ عن ابن أبي أصيبعة ذكر لكتاب ألّفه روفس Rufus بعنوان "مقالة في الأمراض التي تعرض في المفاصل"،  وقد ورد ذكر هذا الكتاب أيضاً في كتاب الحاوي لأبي بكر الرازي، لكنه أسماه "في أوجاع المفاصل"،  حيث اعتمد عليه الرازي كأحد مصادره في تأليف القسم الذي خصصه لأوجاع المفاصل من كتابه الحاوي. أما القفطي فذكر روفس دون أن يهتم بذكر كتبه ومؤلفاته.  وقد تبين لنا بعد البحث الدقيق في عدة مصادر ومنها كتاب سزكين  عدم وجود هذا الكتاب حالياً.

         قام ثابت بن قُرّة (ت. 288هـ) بتأليف كتاب في أوجاع المفاصل سمّاه ابن أبي أصيبعة "مقالة في وجع المفاصل"،  في حين أن القفطي دعاه كتاب "في وجع المفاصل والنقرس".  الرازي في كتابه الحاوي اعتمد عليه كأحد مصادره ودعاه رسالة ثابت "في وجع المفاصل".  ولم يعد يوجد، على حدّ علمنا، أي مخطوط من هذا الكتاب ويؤكد ذلك بعض المراجع مثل كتاب سزكين  وكتاب الكامل في التراث الطبي العربي.

         لذلك ربما تكون رسالة الرازي في أوجاع المفاصل المُؤَلَّف الطبّي الأقدم الذي لا يزال موجوداً حتى يومنا هذا والمختص في أمراض المفاصل باعتبارها اختصاصاً مستقلاً يندرج ضمن حقل الأمراض الباطنة.

بعد الرازي تذكُر بعض المصادر وجود مؤَلَّف مستقل في وجع المفاصل ألّفه نجيب الدين السمرقندي (...- 619هـ) بعنوان: "رسالة في مداواة وجع المفاصل". يذكر زهير حميدان وجود نسخها الخطية في:

دار الكتب المصرية برقم (1/2/طب-ف/436) بخط منصور بن الخلوي العلوي الخجندي عام 759هـ.

المكتبة الطبية في واشنطن برقم (1/80/آ) مصورة على شريط برقم 57 في الجامعة الأردنية.

وذكر الزِرِكلي وجود نسخة أخرى في خزانة الرباط (578 د) ضمن مجموع مشرقي كُتِبَ عام 744هـ يحوي من ضمنه رسالة السمرقندي في مداواة وجع المفاصل.

 كذلك قام شمس الدين محمد بن اللبودي الطبيب الدمشقي (570هـ-621هـ) بتأليف رسالة مستقلة في وجع المفاصل،  وكذلك ذكرها الزِرِكلي في الأعلام باسم رسالة في وجع المفاصل.

دراسة مخطوط "رسالة في أوجاع المفاصل وعلاجها":

هدف الرازي من كتابته لهذه الرسالة:

في البداية يذكر الرازي أنه قد ألّف هذه المقالة بناء على طلب الأمير منصور حيث يقول: "وسيدي الأمير منصور ولد الأمير النجيب ابن النجيب أمرني بتأليف مقالة في أوجاع المفاصل تنفذ إلى الأمير، فكان ذلك مع غموره لي بنعمه وتفريقه إياي في فضله، أجلّ ما أنعم عليّ وأسدى إليّ، فانتهيت إلى أمره بنفسٍ مُحِبَّةٍ وقلبٍ مخلصٍ".

فيما بعد يتضح لنا أن السبب الآخر وربما كان السبب الحقيقي وراء تأليفه هذه المقالة هو الردّ على الأطباء الذين رأوا أن سبب وجع المفاصل هو ضعفها بطبعها، وليس انصباب الأخلاط إلى المفاصل كما كان يعتقد الرازي. حيث يقول الرازي موضحاً هذا الأمر: "فأمّا نحن فقد أفردنا بمثل هذه المباحث كتاباً طويلاً سمّيناه، ونحن دائماً نعمله إلى وقتنا هذا، ورأينا عزل هذه المباحث وإخراجها من الكتب التي يُقصد بها العلاج وجمعها في كتاب واحد يخصّها صواباً، وقد بيّنا هناك أيضاً عن رأي الفرقة التي ترى أن أوجاع المفاصل إنما تكون لضعف في المفاصل زائد لها على ما كان لها بالطبع فقط لا لِأنَّ المادة تجيئها وتنصب إليها، وبيّنا أنّ ذلك رأي غير صواب ولذلك أخذنا بنتيجة هذا البحث وصدّرنا بها مقالتنا هذه وبيّنا كلامنا عليها".

يدلّ الكلام السابق على أنّ الرازي استغرق وقتاً طويلاً حتى ألّف مقالَتَهُ، وأنه استقاها من عدّة كتب، وأنه عبّر عن رأيه في السبب الحقيقي الذي يشرح أوجاع المفاصل دون تردّد.

الترتيب الزمني لكتابة الرازي لهذه الرسالة:

         يبدو أن الرازي قد قام بتأليف رسالته في أوجاع المفاصل بعد قيامه بتأليف كتابه "المدخل إلى صناعة الطب وهو إيساغوجي" وذلك لأن الرازي ذكره في خاتمة رسالته عندما قال:

"وقد كنت أردت تصدير هذه المقالة بفصل في تفسير ما أدخلَتْ هذه المقالة من ألفاظ الأطباء ليكون ذلك معيناً، لمنْ يعتد قراءة كتب الأطباء وفهم كلامهم، على حسن فهم هذه المقالة، إلا أني لما رجوت إلى أني قد فسرت هذه الألفاظ كلها وغيرها من ألفاظ الأطباء والطبيعيين في الكتاب الذي جعلته مدخلاً إلى صناعة الطب، حسبتُ أن عمل هذا الفصل في هذه المقالة فضل".

         كما يرجح عندنا أن الرازي قد ألّف هذه الرسالة قبل قيامه بتأليف كتابه المنصوري لسببين:

أولهما: أن الرازي في مقدمة مقالته يبالغ في التزلّف في محاولة للتقرب من الأمير أبي صالح منصور، حيث يقول:

"قد عمّتْ وشملت نعمة الأمير السيد وعظُمتْ حتى ضاق عنها الشكر ولم يبق إلا الرغبة إلى الله في إطالة بقائه، وسيدي الأمير منصور ولد الأمير النجيب ابن النجيب أمرني بتأليف مقالة في أوجاع المفاصل تنفذ إلى الأمير، فكان ذلك مع غموره لي بنعمه وتفريقه إياي في فضله، أجلّ ما أنعم عليّ وأسدى إليّ، فانتهيت إلى أمره بنفسٍ مُحِبَّةٍ وقلبٍ مخلصٍ".  ومن المعروف أن الرازي كان يتبع هذا الأسلوب قبل أن يُنتَقد من قبل معاصريه لمحاولاته التقرب من الحكام وهذا النقد يرد ذكره في كتاب الرازي "السيرة الفلسفية" التي يبدأها الرازي بقوله: "إن ناساً من أهل النظر والتمييز والتحصيل، لمّا رأونا نُداخل الناس ونتصرف في وجوه المعاش، عابونا واستنقصونا وزعموا أنا حائدون عن سيرة الفلاسفة ولاسيما عن سيرة إمامنا سقراط، المأثور عنه أنه كان لا يغشى الملوك، ويستخف بهم إن هم غشوه..".  بعد ذلك عدل الرازي على ما يبدو عن هذا الأسلوب وبدأ يفتتح كتبه بمقدمة بسيطة كما يحدث في كتابه المنصوري حيث يقول: "قال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، إني جامع للأمير الأجلّ، منصور بن إسحاق، في كتابي هذا جملاً وجوامع ونكتاً وعيوناً من صناعة الطب، ومتحرٍّ في ذلك الاختصار والإيجاز".

ثانيهما: أنّ الرازي في كتاب المنصوري لم يُخصِّص لأوجاع المفاصل والنقرس سوى 3 صفحات فقط من النص المحقق واكتفى فيهم بذكر بعض العلاجات دون أن يهتم بتبيان الأعراض والأسباب والوقاية، وكأنه قد تغاضى عن ذلك لأنه قدّم للأمير منصور رسالته في أوجاع المفاصل ورسالته في النقرس مسبقاً فارتأى عدم الإطالة.

أسلوب الرازي في تأليف هذه المقالة:

لم يذكر الرازي المصادر التي اعتمد عليها في تأليف كتابه، اللهم إلا ليُعرِّف القارئ على الأدوية المشهورة مثل "أيارج جالينوس وأيارج روفس ودواء خالد بن يزيد .."، كما نسب بعض الوصفات الطلسمية التي ذكرها في الباب الثاني والعشرين إلى أصحابها لعدم قناعته بها ولتُنسَب لأصحابها وليس له.

قام الرازي بعرض الحالات السريرية التي عالجها وتتبَّعَ تطورها من يوم لآخر مع اهتمامه بمعرفة تاريخ تطور الحالة المرضية بما فيها الفترة السابقة لتداوي المريض على يد الرازي، وقد بلغ عدد هذه الحالات السريرية في كامل المخطوط 6 حالات أطال فيها الشرح والوصف والتفسير.

لم يتردد الرازي في إيضاح براعته في الطب عندما كان يتحدث عن قيامه بعلاج بعض المرضى على خلاف ما يعالج به سائر الأطباء، ومن هذا قوله: "وأقبلتُ على هذه الأعضاء أعالجها بالضد مما يعالجها أوساط الأطباء عند حدوث هذه العِلَّة".  وقوله: "ولما سمع ذلك الرَّجُل سؤالي إياه عما سألته وتركي فصده من يده وتذكّر فعل الطبيب الماضي، مالَ وركن إليّ ولم يزل بعد ذلك لي مُحِبَّاً مادحاً".

محتويات مخطوط رسالة في أوجاع المفاصل:

تتألف رسالة الرازي في أوجاع المفاصل وعلاجها من مقدمة واثنين وعشرين باباً خصصها على الشكل التالي:

الباب الأول: في الأسباب المحدثة لوجع المفاصل وكيفية توجع المفاصل منها.

الباب الثاني: في سبب تولّد الفضول في البدن وانصبابها من بعض الأعضاء إلى بعض، وما يندفع بذلك عن الإنسان من العلل والأسقام الرديئة.

الباب الثالث: في تقسيم وجع المفاصل إلى أصنافه وعلامة كل صنف منه.

الباب الرابع: في ذكر علاج كلّي مُجمل لوجع المفاصل غير مفصل الورك.

الباب الخامس: في ذكر علاج مجمل لوجع مفصل الورك.

الباب السادس: في عرق النسا وعلاج مجمل له.

الباب السابع: في ذكر مواد الأغذية والأدوية المسهّلة التي يُحتاج إليها في علاج أوجاع المفاصل الحارّة بتمييز وتفصيل مُلحق بكل واحد منها.

الباب الثامن: في ذكر مواد الأدوية المسهلة التي تستعمل في أوجاع المفاصل الكائنة من البلغم والخلط التي على سبيل ومنهاج الأول.

الباب التاسع: في الأدوية التي تُسهِّل الخلط الأسود.

الباب العاشر: في الأدوية التي تسهّل المُرَّة والبلغم معاً.

الباب الحادي عشر: في الأدوية المسكّنة لأوجاع المفاصل.

الباب الثاني عشر: في الحقن المستعملة لوجع الورك.

الباب الثالث عشر: في الأضمدة والأطلية التي تستعمل في أوجاع المفاصل الحارّة من الدافعة والمانعة والمحللة والمسكنة للوجع مع تمييز وتفصيل ملحق بها.

الباب الرابع عشر: في الأضمدة والأطلية المستعملة في علل المفاصل الباردة  على سبيل الأول.

الباب الخامس عشر: في علل الأورام الصلبة والتحجر والتقفع الحادثين في المفاصل.

الباب السادس عشر: في الأضمدة التي تكوي وتسمّى مبدلة التركيب.

الباب السابع عشر: في ذكر المحجمة التي تعلق بالنار على الورك.

الباب الثامن عشر: في كيّ الورك.

الباب التاسع عشر: في الاحتراس من وجع المفاصل.

الباب العشرون: في الاحتراس من وجع الورك وعرق النسا.

الباب الحادي والعشرون: في الأدوية المشهورة بقلع أوجاع المفاصل بجملة جوهرها وخواصها.

الباب الثاني والعشرون: في الأدوية التي تنفع من أوجاع المفاصل بجملة جواهرها وخواصها.

ولأن الأبواب اختلفت في حجم المادة العلمية المحتواة في كل باب؛ ارتأينا وضع المخطط التالي الذي يوضح تقسيم المخطوط بحسب الموضوعات التي تناولها.

 

 

أسباب أوجاع المفاصل في المخطوط:

اعتقد الرازي في الباب الأول أن أسباب أوجاع المفاصل هو تراكم فضل الهضم الكائن في العروق، وهو السبب الأهم، يليه في الشيوع والأهمية تراكم فضل الهضم الكائن في الكبد ثم يليه غيره من الفضول. تدفع الأعضاء الباطنة القوية هذه الفضول عن نفسها إلى الأعضاء الضعيفة وأهمها المفاصل عبر منافذ خاصة، فيحدث إما بسبب زيادة كمية هذه الفضول أو كيفيتها أو الاثنين معاً وجع المفاصل.

اعتبر الرازي المفاصل مواضع متهيئة لقبول الفضول لأنها آلة للثني والبسط وهذا يتطلب منها أن تحتوي على مسافات فارغة (أفضية) تتسع لهذه الفضول عند انصبابها. 

أسّسَ الرازي نظرية متكاملة تفسّر حدوث أوجاع المفاصل وتشرح أعراضها وتُوضِّح علاجها، وهذه النظرية كانت تعارض على حدّ قوله ما كان الأطباء يرددونه من أنّ سبب وجع المفاصل هو ضعف المفاصل وليس انصباب الفضول إليها.

ما يثير الانتباه هو أن الرازي يذكر بعض الملاحظات السريرية الهامة، ويفسرها ضمن إطار النظرية السابقة التي علّل بها أوجاع المفاصل بأسلوب منطقي، وهذه الملاحظات الصحيحة علمياً هي:

رأى الرازي أنه متى كانت الأوقات التي فيما بين النوائب تقصر وزمان النوبة نفسها يطول وأعراضها تشتد دلّ ذلك على أن أسباب العِلَّة متزايدة، وبالضد.

اعتقد الرازي أنه متى لزم هذا الوجع بمفصل واحد ويحدث فيه بعينِه في جميع الأوقات دلَّ على عسر البرء وصعوبة العِلَّة.

رجّح الرازي هيجان هذه العِلَّة على الأمر الأكثر في زمان الربيع والخريف.

         في الباب الثاني يشير الرازي إلى أنّ فهم تشريح أعضاء الهضم والبطن ضروري لفهم كيفية تشكل الفضول فيقول: "وهذا موضع ينبغي لنا أن نصف من تشريح آلات الغذاء ومنافعها، وكيف يكون الإغتذاء واندفاع الفضول، ما يكون معيناً على حسن فهم ما يأتي من كلامنا بعد ومقوّياً له إلى الإقناع".  وعلى هذا يخصص الباب الثاني ليناقش فيه ما يدعى حالياً التشريح والفيزيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)، وهذا يتفق مع أسلوب تدريس الطب حالياً الذي يخصص السنوات الأولى لدراسة هذه المواضيع قبل الدخول في الطب السريري.

         ما يلفت النظر أثناء حديثه عن تشريح أعضاء البطن عدة أمور:

الأول: وصفه لما يدعى حالياً بالدوران المعوي الكبدي حيث يقول: "وكل هذه الشعب يفضي بعضها إلى بعض وينضم الأصغر منها إلى الأعظم حتى تجتمع كلها ويكون منها ذلك المجرى العظيم الذي يسمّى باب الكبد، وكلها تمتص الغذاء من الأمعاء وتدفعه بعضاً إلى بعض، الأصغر منها إلى الأكبر، حتى تردّ ما اجتذبته وامتصّته كله إلى التجويف الأعظم المسمى باب الكبد- كما تجتمع الجداول الصغار وينضم بعضها إلى بعض حتى يصير منها أنهاراً عظيمة ثم تجتمع تلك الأنهار بعضها إلى بعض حتى يصير ويجتمع منها أجمع بحراً عظيماً أو مستنقع- ثم أنه أعني هذا التجويف العظيم ينقسم ويتشعب في جميع الكبد إلى شعب كثيرة جداً حتى أنها تكون بمنزلة الشعراقة وتفضي أفواهها إلى الشعب التي هي أصل العرق العظيم النابت من حدبة الكبد الذي نحن ذاكروه الآن".

         من الواضح أن باب الكبد هو ما يعرف حالياً باسم وريد الباب، وأن هذه الشعب التي يفضي بعضها إلى بعض حتى تشكل وريد الباب ليست سوى فروع الوريد المساريقي العلوي الذي يجتمع مع الوريد الطحالي مشكلاً وريد الباب، وتنقل هذه الفروع الغذاء الممتص من الأمعاء إلى الكبد عبر وريد الباب الذي يتفرع داخل الكبد إلى فروع صغيرة.

الثاني: وصفه الشعيرات الدموية حيث يقول: "ولا يزال يتشعب أيضاً منه  شعباً كالرواضع تسقي جميع الأعضاء السفلانية وهذه الشعب كلها معروفة المسمّاة يدركها الحس عند التشريح حتى تصغر أقسامها جداً وتنتهي إلى العروق التي تسمى لرقتها الشعرية وهي العروق المبثوثة في اللحم التي لا تراها منحازة بجسم خاص لكن كأنها ممتزجة باللحم ومنها يكتسي اللحم حمرته".  ولا يخفى على أحد أن الغرب يعزي اكتشاف الشعريات الدموية إلى مالبيكي Marcello Malpighi، وأنّ جالينوس اعتقد أنّ الدم الوريدي ينتقل إلى الطرف الشرياني عبر ثقوب صغيرة تقع في الحاجز ما بين البطينين. وقد عدنا إلى النسخة المحققة من مخطوط "جوامع كتاب جالينوس في التشريح للمتعلمين"  وكذلك عدنا إلى كتاب فردوس الحكمة لأبي الحسن بن رُبَّن الطبري إلى القسم الذي خصصه لتشريح العروق ومواضع فصد العروق ومنافع فصد عرق عرق  فلم نجد ذكراً للشعريات الدموية. لذلك ربما كان الرازي من الأوائل الذين وصفوا الشعريات الدموية.

الثالث: يذكر الرازي أن (عرق النسا) أو ما يعرف حالياً بالوريد الصافن الصغير يتشعب ليعطي فروعاً إلى خنصر وبنصر القدم، حيث يقول: "وعلاج هذا الصنف فصد العرق المعروف بعرق النسا من حيث يظهر من الجانب الوحشي من الساق فإن لم يظهر فبعض شعبه مما على ظهر القدم في النصف الخارج منه أعني ناحية الخنصر والبنصر من أصابع القدم لأن الشعب التي في هذه الناحية تتشعب من هذا العرق".  الآن نعرف أن هذا الوصف صحيح لأن الوريد الصافن الصغير ينشأ من الجزء الوحشي للقوس الوريدية لظهر القدم،  المهم في الأمر أنه عندما نعود إلى وصف جالينوس لعرق النسا يقول عنه: "والعرق الثاني وهو الخارج، ينحدر على القصبة الصغرى من قصبتي الساق مما يلي ظاهر البدن حتى يبلغ إلى مفصل الكعب، والعرق الثالث.."،  إذاً جالينوس يرى أن الوريد الصافن الصغير ينتهي عند الكعب الوحشي بخلاف الرازي الذي كان محقاً في رأيه.

أعراض أوجاع المفاصل في المخطوط:

لقد وضّح الرازي في الباب الثالث من رسالته الأسس التي كانت تُعتمد في عصره وما سبقه في تقسيم أوجاع المفاصل بحسب الأعراض والعلامات إلى أنواع مختلفة يختلف علاجها وتدبيرها. ويظهر في هذا الباب براعة الرازي في الفحص السريري واهتمامه البالغ بحسن القيام بذلك لأنه السبيل إلى علاج ناجح للمرض فيقول: "إلا أنَّه ينبغي لنا أن نؤكد الكلام في هذا المعنى ونشبعه ونستقصيه ونشرحه مع ذلك ونوضحه، إذ به ملاك الأمر كله وقوامه، لأن أكثر الخطأ إنما يقع في تعرُّف العِلَّة فإذا عرفت حق معرفتها لم يكد الخطأ يقع في تعرُّف علاجها".

اعتقد الرازي أنه يمكن معرفة نوع الفضل (الخلط) المنصبّ إلى المفاصل ويسبب أوجاعها من خلال عدة أمور يذكرها بقوله: "ينبغي أن يتعرف ما المادة المائلة إلى المفصل من لون الموضع، ومن مجسّته، ومن نوع الوجع الذي فيه، ومن نوع العلاج الذي يسكن أو يهيج عليه، ومن تدبير العليل فيما تقدم ومزاجه وسنّه وبلده ومن الوقت الحاضر وما تقدم من علله، وربما يُجبر في أكثر الأمر بواحدة أو اثنتين من هذه في تعرف الخلط المحدث للوجع".  تظهر هذه الفقرات براعة الرازي في التشخيص التفريقي باستخدام العلامات والفحص الحكمي للمريض.

ويمكن تلخيص آراء الرازي في ذلك من خلال المخطط التالي:

 

إذاً اعتبر الرازي أن أوجاع المفاصل تنتج عن انصباب أحد الأخلاط (الدموي- الصفراوي- البلغمي) أو خلط مركّب منها، في حين أنه اعتبر انصباب الخلط الأسود سبباً نادراً لوجع المفاصل، لكنه سبب لعرق النسا. 

عرق النسا في مخطوطة أوجاع المفاصل:

يعرِّف الرازي عرق النسا بقوله: "هذا وجع شديد في طُول الرِّجِل من لدن الورك إلى أطراف أصابع الرِّجِل والقَدَم قليل الأخذ عن عرضها شبيه بوتر ممدود وربما لم يبلغ إلى القدم وانقطع عند مفصل الكعب أوفي نصف الساق عند الركبة".  ومن الواضح أن هذا الوصف السريري صحيح تماماً وفقاً لمعايير الطب الحديث. لكن الرازي رأى أنَّ العِلَّة في هذا الوجع هو امتلاء يعرض للعرق (وليس العصب) الذي يأتي كل واحد من الرِّجْلَين إما بسبب دم نقي أو خلط أسود أو رطوبات تتجمع في القسم السفلي من البدن، والذي يخصه من العلامات أن معه خدر وبرد في الرِّجِل وليست الرِّجِل معه حارة. ورأى الرازي أن علاج عرق النسا يكون: "فصد العرق المعروف بعرق النسا من حيث يظهر من الجانب الوحشي من الساق فإنْ لم يظهر فبعض شعبه مما على ظهر القدم"، إضافة إلى الأدوية المسهِّلَة للخلط الأسود إذا كان هو السبب في امتلاء العرق، إضافة لبعض الأدوية المسكنة وحتى استخدام الكي.  ونصح الرازي أيضاً بوقاية المريض من المشي والركوب الطويل.

علاج أوجاع المفاصل في المخطوط:

اتبع الرازي المبدأ التالي في وصف العلاجات الخاصة بكل صنف من أوجاع المفاصل:

نصح الرازي بعلاج انصباب الخلط الدموي بالفصد من الجانب المخالف للمفصل المصاب.  وبعد الفصد يلجأ إلى تقوية العضو ودفع المادة عنه وذلك يكون بالأطلية القابضة الباردة.

أما إذا كانت المادة صفراوية فإنا نبدأ أولاً بالاستفراغ للمرار بالأدوية المسهلة، ويعالج العضو بعد ذلك من الأضمدة التي تجمع إلى تدبيرها ترطيباً.

أما انصباب المادة البلغمية والأخلاط النيئة فتعالج باستفراغها بالأدوية المُسهِّلة التي تختلف باختلاف احتمال العليل وقوته، والأدوية المقيئة في حال كثرة المادة البلغمية وقوة العليل، ويجتنب الفصد في هذه العِلَّة، ويستعمل الأضمدة والأطلية المسخنة.

أما انصباب المادة المركبة من دم صفراوي فإنه ينبغي أن يبتدئ في علاجها بالفصد ثم باستفراغ الصفراء ونستخرج سائر تدبيرها من التدبير المفرد لكل واحد من هاتين المادتين ونميل إلى الأغلب بحسب ظهور دلائلها.

لم ينصح الرازي باستعمال الأدوية المسكنة للوجع إلا في الحالات الشديدة التي يُخاف معها حدوث الغشي لشدة الوجع وبشرط أن تسبق باستفراغ، واكتفى بذكر الأدوية المسكنة التي قام باختبارها وتجربتها.

خصص الرازي لعلاج وجع الورك بابين مستقلين أحدهما لذكر الأدوية (الباب الخامس) وآخر للحقن المستخدمة في علاجه (الباب الثاني عشر) ويعود تخصيص الرازي لوجع الورك ببابين مستقلين لأنه كان يعتقد أن الاستدلال من علامات وجع الورك وعلاجه فيه بعض الاختلاف عن سائر المفاصل الأخرى، وهذا يعود إلى نقطة تشريحية مميزة هي كما يعبّر عنها الرازي: "من أجل أنَّ هذا المفصل مفصلٌ غائر عميق وما فوقه من اللحم كثير لا يكاد يستبان الفضل المنصبّ إليه من لون الموضع ولا من مجسّته".  يرى الرازي أنه قد ينتج عن وجع الورك وانصباب الخلط فيه اختلاط هام هو خلع رأس الورك "فيلزم أصحابها عرجةً دائمةً وضمور من الرِّجِل بأسرها"،  في حين أنه يندر حصول اختلاط التقفع والتحجر بخلاف سائر المفاصل الأخرى. كما يذكر الرازي أنه لم يجد فائدة تذكر في استخدام الأطلية الباردة والحارة لعدم وصول تأثيرها إلى عمق هذا المفصل الغائر. ونصح الرازي بمنع المصاب من المشي وطول المقام في الحمام والركوب وحبس البراز والبول.   وأخيراً ينصح الرازي بعلاج الخلع الناكس بردّه ثم كويه بالمحجمة قبل أن تضمر الرِّجِل والفخذ ويكسب زمانة ثابتة".  كما ذكر الرازي في الباب الثاني عشر سبع وصفات لحقن (رحضات شرجية) تستعمل لعلاج وجع الورك.

خصّص الرازي خمسة أبواب (من السابع حتى الحادي عشر) لكل من الأدوية المسهلة التي يحتاج إليها في علاج أوجاع المفاصل الناتجة عن الخلط الدموي، والبلغمي، والخلط الأسود، والمرة والبلغم معاً، والأدوية المسكنة. اتّبع الرازي في هذه الأبواب المنهج التالي في وصف هذه الأدوية:

اهتم الرازي بذكر الأدوية غير المشهورة وغير المذكورة في الكتب بشكل تفصيلي، في حين أنه لم يفصّل في وصف ما اشتهر من الأدوية. فهو يقول: "إني ذاكر في هذا الفصل الأدوية، التي يُحتاج إليها في علاج أوجاع المفاصل، المُسَهِّلِة مما ليست مذكورة ولا مشهورة وليس لها ثبت في الكتب. فأما المشهورة فإني أسمِّيها بأساميها لتؤخذ من أماكنها ولا يطول بها كتابنا".

كان يذكر في البداية الأدوية المفردة ثم ينتقل إلى الأدوية المركبة.

كان يبدأ بذكر الأدوية ذات التأثير الخفيف ثم ينتقل إلى الأدوية الأقوى تأثيراً فالأقوى وهكذا، وهذا يشير إلى قناعته في ضرورة ابتداء المعالجة بالأدوية الخفيفة لأن تأثيراتها الجانبية أقل، ثم الانتقال للأدوية الأقوى. ويؤكد هذا قوله: "فلنذكر الآن مسهلة البلغم والخام ونقدم الألين فالألين منها ونتبعها بالأقوى على مثال ما فعلنا في التي قبل".

كان يذكر المقادير وطريقة تحضير كل دواء بالتفصيل.

أحياناً كان يذكر وصفتين تتشابهان بالمواد المستخدمة لكن تختلفان بكميات هذه المواد وطرق تحضير كل منها، مما يشير لبراعته في طرق تحضير الأدوية.

كان يذكر أحياناً مواقيت أخذ الدواء والشروط التي تساعد على زيادة تأثيره. فيقول عن دواء يستعمل لتسهيل الخلط الأسود على سبيل المثال: "ويؤخذ وقت النوم ويشرب المطبوخ سحراً".  ويقول في صفة دواء آخر: "ويستعمل قبل أن يشرب أدويته الحمّامَ وصبَّ الماء الفاتر".  ويقول عن دواء آخر: "ثم يأخذ الدواء ولا يأكل بعده شيئاً سبع ساعات".

ترك الرازي الدواء الأقوى الذي ينفع من جميع أنواع المفاصل حتى آخر الباب وذلك بسبب تأثيراته الجانبية فيقول على سبيل المثال: "... وإنْْ كان مع السورنجان قوة قوية النفع من جميع أنواع أوجاع المفاصل، غير أنه يسقط الشهوة ويقفع المفاصل إذا كثر منه، ولذلك ينبغي لمن يضطر إلى الإكثار منه أن يأخذ بعده ما يصلح المعدة مما يسخنها أو يمزجها به دائماً".

أدرك الرازي أن بعض الأدوية المركبة تحضر بمعاملتها بالماء أو الشراب، في حين أن بعضها الآخر لا تنحل بالماء لذلك اقترح معاملتها بالخل، وهذا يشير لبراعة الرازي في تحضير الأدوية.

نوّه الرازي إلى أن بعض الأدوية لم يقم بتجربتها كما يقول في الباب العاشر: "وقد ذكره عدة من القدماء أن النبات المسمى برجل الغراب أو برجل الزاغ أبلغ من السورنجان في النفع من هذه العِلَّة وإنه مع ذلك لا يؤذي المعدة وأما نحن فلم نمتحن ذلك بعد".

راعى الرازي التأثيرات الجانبية للدواء عند وصفه وخاصة لمدة طويلة، فمثلاً عندما يريد أن يصف دواء يعرف أنه يسبب تجفيفاً قوياً، ينصح عندها بأن يُشرب في يوم ويترك في اليوم الذي يليه في جميع أيام السنة خلا حزيران وتموز ونصف آب. 

كرّس الرازي البابين الرابع عشر والخامس عشر ليذكر فيهما الأطلية المستخدمة في أوجاع المفاصل الحارة والباردة، في حين أنه خصص الباب السادس عشر لذكر الأدوية والأطلية الكاوية التي نصح باستعمالها لعلاج وجع مفصل الورك خاصة. في الباب السابع عشر وصف بشكل تفصيلي شكل المحجمة التي تعلق بالنار على الورك ثم وصف في الباب الثامن عشر الوضعية التي ينبغي على العليل اتخاذها عند تطبيق المحجمة على وركه، إضافة إلى وصفه طريقة الكي بالتفصيل.

رفض الرازي للعلاج بالأدوية الطلسمية:

يعتبر الباب الثاني والعشرون، على الرغم من أنه من أقصر الأبواب، باباً هاماً لأنه يوضّح نظرة الرازي للأدوية الطلسمية وعدم اعتماده عليها رغم شيوعها واعتماد الكثير من الأطباء القدماء عليها، وفي هذا يقول: "إنّ رأيي في التعالج بهذه الأشياء وميلي إليها قليل، لكنْ لأنَّ خلقاً من مشهوري القدماء قد ذكروها ولأنّا مِلْنا إلى أنْ لا يَنقُص هذه المقالة نوعٌ مما يُذكر ويُوصف لعلاج هذا الوجع، ونحن مفردون هذا الفصل بذكر ما عليه الإجماع من هذه أكثر، والنقل والخبر به أمتن وأقوى". بعد هذه المقدمة يكتفي الرازي بذكر أربعة أدوية فقط، مما يجمع عليها الأطباء، وينسب كل دواء منها إلى الطبيب الذي قال بهذا الدواء، بخلاف أسلوبه السابق الذي لم يحدد فيه مصدر أدويته السابقة، وكأنه يريد أن يؤكد أن هذه الأدوية ليست من وصفاته الشخصية.

الوقاية (الاحتراس) من أوجاع المفاصل في المخطوط:

ذكر الرازي في البداية الهدف الذي يسعى له الأطباء في مضمار تعاملهم مع الأمراض بقوله: "إنّ غرضنا في حال وجود المرض دفع السبب الموجب له ومقاومته، وأما في حال عدمه فيكون منع سببه وحدوثه".

يعتمد مبدأ الوقاية من أوجاع المفاصل عند الرازي على منع تكون الأخلاط الرديئة وذلك باجتناب التدبير المولّد لهذه الأخلاط، إضافة إلى إنفاذها بسرعة ودون تأخير إذا تكونت قبل أن تتجمع وتؤذي الأعضاء الرئيسة فتضطر إلى دفعها عنها إلى الأعضاء الأضعف منها كالمفاصل. 

وترتكز الوقاية عنده على النقاط التالية:

الغذاء والشراب: ركّز الرازي على ضرورة تجنب الأغذية المولدة للخلط الذي يسبب نوع وجع المفاصل الذي يشتكي منه المريض في العادة. فمثلاً ينصح الرازي للوقاية من وجع المفاصل الناتج عن خلط دموي بما يلي: "فنقول أن الاحتراس من أوجاع المفاصل الدموية التي يكون معها في المفاصل الورم الذي يسميه اليونانيون فلغموني أي الملتهب يكون بالتدبير الذي لا يكثر معه الدم في البدن ولا يُحمّي ولا يسخن وذلك يكون بترك اللحوم والخمور أو الإقلال منها ومن الحلو أو من الأغذية الكثيرة الإغذاء كالهرايس والعصائد والبيض ولحوم الحملان".  كما يؤكد الرازي على ضرورة عدم السماح للمريض بالوصول لمرحلة الغاية القصوى من الشبع أو الامتلاء من الشراب، وعند حدوث ذلك ينبغي أن يُقيّأ.

النوم واليقظة والراحة والتعب والرياضة: ركّز الرازي على أهمية التواسط في ذلك، فلا يكثر من أي منهما.

الباه: اعتقد الرازي أن الجماع رديء لجميع أنواع المفاصل خاصة وجع المفاصل السفلية والأوراك.

الاستحمام: نصح بالاعتدال فيه خاصة في الأوقات التي يتوقع فيها النوائب.

يوصي الرازي بمراقبة النبض وسحنة المريض ولون جلده بشكل دوري لكشف أي اختلال أو امتلاء يحصل في البدن وتصحيحه قبل أن يؤدي لوجع المفاصل.

في وجع المفاصل الكائن عن خلط بلغمي يرى الرازي أنه يجب أن "نعرّق العليل في الحمام قبل التغذي تعريقاً كثيراً ونروضه رياضة كثيرة طويلة، ولا نطلق له أن يأكل بعقبها سريعاً بل بعدها بمدة طويلة، ويدلك جسده ومفاصله خاصة في الحمام بالنطرون دلكاً بليغاً، ولا يطلق له أن ينام الليل كله".  بالإضافة إلى "صنوف الاستفراغ من الفصد والقيء والإسهال وإدرار البول والعرق".

ينصح الرازي أيضاً بدلك المفاصل فيقول: "ندلك مفاصله بالملح والزيت دلكاً بليغاً في أيام الراحة فإن هذا علاج بليغ في منع المفاصل من قبول الفضل وتحليل ما هو فيها".

ينصح الرازي للوقاية من وجع الورك وعرق النسا بالإكثار من المقيئات أكثر من المسهلات للتخلص من امتلاء الأخلاط وذلك لخصوصية هذه الأوجاع.

للوقاية من وجع الورك خاصة ينبّه الرازي للانتباه لما يلي: "وليحذر فيه الباه والمشي وطول الركوب وخاصة بالقرب من وقت النوبة أكثر، ولا ينام العليل ولا يتكئ اتكاءً يقع إليه ثقل البدن كله على حقّ الورك، ويدمن النوم على الجانب الصحيح ويُسكَّن العليل".  يلاحظ اهتمام الرازي بالوضعية المناسبة للنوم والركوب في حال وجع الورك.

في الاحتراس من وجع عرق النسا ينصح الرازي بما يلي:"ونخصّه أنه لا ينبغي للعليل أن يكثر المشي ولا ينهض بثقل عظيم ولا يشيل حجراً ولا يعمل عملاً يحتاج فيه إلى الاتكاء برجليه على الأرض بشدة وقوة".  هذه ملاحظة سريرية في غاية الأهمية من الرازي، وهي تعتبر من أهم وسائل الوقاية من داء فتق النواة اللبيّة المسبب لوجع عرق النسا حتى الآن. كما نصح الرازي بالإكثار من تعرق المريض في الحمام الأمر الذي ربما كان عاملاً مساعداً في تخفيف التشنج العضلي المرافق.

مقارنة ما ورد في مخطوط "رسالة في أوجاع المفاصل وعلاجها" مع كتب الرازي الأخرى:

المقارنة مع كتاب الحاوي في الطب:

خصص الرازي قسماً كبيراً يزيد عن 180 صفحة من الجزء الحادي عشر من كتابه الحاوي للحديث عن أوجاع المفاصل والورك وعرق النسا والنقرس ووجع الركبتين والظهر وغيرها. 

وقد تميز أسلوب الرازي في كتابه الحاوي بالمميزات التالية:

افتقر القسم الخاص بأوجاع المفاصل من الحاوي إلى الترتيب وتسلسل الأفكار المنطقي، حيث تراه يبدأ بالحديث عن علاج أوجاع المفاصل،  ثم ينتقل بسرعة إلى التفريق بين النقرس ووجع المفاصل وعرق النسا  ومنه يقوم بشرح عرق النسا  ليعود سريعاً إلى علاج وجع الورك  ومنه إلى ضماد للنقرس ووجع النسا،  وهكذا يتابع الرازي على نفس المنوال في كامل القسم.

ذكر الرازي الكثير من المصادر (31 طبيباً سابقاً) التي اعتمد عليها إضافة إلى رأيه الشخصي وكان يذكر الكتاب الذي اعتمد عليه بشكل خاص أحياناً، وهذه المصادر هي مؤلفات (أبقراط، جالينوس، روفس، أطهورسفس، بولس، الإسكندر، أرسطوطاليس، شمعون الراهب، أوريباسيوس، فليغروس، تياذوق، قسطا بن لوقا، جورجس، أركاغانيش، هرمس، ابن ماسويه، ابن سرابيون، أهرن، الطبري، الكندي، حنين بن إسحاق، ثابت بن قرة، ماسرجويه، مسيح الدمشقي، أبو جريج، إسحاق بن حنين، الساهر، بختيشوع، عبدوس، اليهودي، سابور، مجهول)، ويجدر بالذكر أنه اعتمد على أبقراط وجالينوس (خاصة كتابه الميامر) وروفس وابن ماسويه بشكل أكثر من البقية. ذكر أيضاً عدد من المؤلفات السابقة الخاصة بالنقرس إلا أنه لم يذكر سوى كتابَيْ روفس وثابت بن قرة ككتب مختصة بوجع المفاصل.

لم يتحدث الرازي في هذا القسم عن وجع المفاصل فحسب بل ذكر النقرس أيضاً بخلاف ما فعله في مقالته الخاصة بوجع المفاصل.

لم يضع الرازي في الحاوي نظريته الخاصة بأسباب وجع المفاصل التي نجدها في مقالته الخاصة بوجع المفاصل.

افتقر القسم الخاص بوجع المفاصل إلى شرح تشريحي أو فيزيولوجي خاص بالمفاصل كالذي وجدناه في المقالة.

ركّز الرازي في الحاوي على العلاج، حيث يتجاوز المقدار الذي تحدث فيه عن العلاجات المختلفة 90% من حجم المادة العلمية في القسم، ولم يُعِر أهمية تُذكَر للوقاية.

من خلال كتاب الحاوي نستطيع استنتاج أحياناً من هم الأطباء الذين انتقدهم الرازي بوصفهم مدافعين عن فكرة أن سبب وجع المفاصل هو أنها ضعيفة بطبعها وأهمهم:

أبقراط: يقول في المقالة الثانية من تقدمة المعرفة: "النوازل إنما تكثر في المفاصل لسعتها ودوام حركتها فهي من هذه الجهة أضعف المواضع".  وفي المقالة السادسة من الفصول يقول أبقراط: "وقد يجب أن يكون من يعرض له النقرس قدماه بالطبع ضعيفتان".

يورد الرازي في الحاوي العديد من الإضافات على ما يوجد في مقالته الخاصة، يمكن تقسيمها إلى قسمين:

الأول: خاطئ وفق معلومات الطب الحديث وهي الأعظم وكأمثلة عليها:

ينقل عن كتاب ما بال وهو نفسه كتاب المسائل الطبيعية لأرسطوطاليس  ما يلي: "قال: الغلمان لا يصيبهم وجع المفاصل ويُوجع الشباب أشدّ والمشايخ يُوجعهم أقل ولا يبرؤون منه".

ينقل عن الطبري قوله: "وجع الورك يكون من كثرة القيام في الشمس فتجف لذلك رطوبة الورك، وينفع من وجع الورك قطع العرقين الذين عند خنصر القدم..". وقد عدنا لكتاب فردوس الحكمة للطبري،  وتبيّن لنا حُسن نقل الرازي عن الطبري.

ينقل عن فليغروس من رسالته في عرق النسا: "يعسر علاجه إذا عرض في الشتاء وفي الأمزجة الرطبة اللحمة وفي الورك الأيسر".

الثاني: صحيح وفق معلومات الطب الحديث وكأمثلة عليها:

ينقل عن مقالة في الأخلاط لجالينوس  فيقول: "ومنها صاحب وجع المفاصل لما أصابه قولنج ذهب وجع المفاصل عنه فلما برئ من وجع القولنج عاد وجع مفاصله". ويفسر الرازي ذلك بقوله: "ج: يمكن أن يكون ذلك لأن الوجع الشديد يغمر الضعيف حتى لا يحس..".

يقول عن المصاب بعرق النسا: "ومنهم من يمشي على أطراف أصابعه ويمدّ صلبه ولا يقدر أن يركب".

يقول نقلاً عن حُنين بن إسحاق من كتابه الفصد: "قال: إذا امتلأ عرق النسا دماً ضغط العصب التي إلى جانبه فلذلك يوجع شديداً".  نلاحظ أن هذه إشارة إلى أن سبب عرق النسا هو انضغاط العصب مع أن سبب انضغاطه ومكانه لا يتوافق مع الطب الحديث.

يوجد أحياناً بعض التعارض بين ما ورد في الحاوي ومقالته الخاصة ومن أمثلة ذلك:

يذكر الرازي في المقالة أنّ "وهذين العرقين الصافن وعرق النسا وإن كانا ينقسمان جميعاً من عرق واحد عند مأبض الركبة فإن لفصد عرق النسا وشعبه في تسكين هذا الوجع فضل كثير على فصد الصافن".  هذا الرأي في تشريح أوردة الطرف السفلي نجده يرد على لسان جالينوس في كتاب الحاوي حيث ورد: "وينفع من الذي من داخل فصد الصافن ومن الذي من خارج فصد النسا، وقد ذكر جالينوس أنه لا يجيء إلى الرِّجل عِرقان كما يجيء إلى اليد وأن القسمة تكون عند الركبة ولكن التجربة تشهد لما قلت".  الأمر المثير للانتباه بالتأكيد يجب ألا يكون الخلاف حول أفضلية أي من العرقين عرق النسا (الوريد الصافن الصغيرSmall Saphenous Vein) أو العرق الصافن (الوريد الصافن الكبير Great Saphenous Vein) للفصد– رغم أن الرازي أكّد كثيراً على معارضة جالينوس في تفضيله الفصد من عرق النسا لعلاج وجع عرق النسا- بل الخلاف حول مكان انقسام الوريدين. للتأكد مما قاله جالينوس عدت إلى جوامع كتاب جالينوس في التشريح للمتعلمين فوجدنا جالينوس يؤكد على انقسام الوريد الصافن وعرق النسا عند مأبض الركبة.  الآن بتنا ندرك أن الوريد الصافن الصغير يصب في الوريد المأبضي عند الركبة،  وأنّ الوريد الصافن الكبير يصبّ في الوريد الفخذي قرب حديبة العانة.  إذاً يبدو أن الرازي تفوّق على جالينوس في تحديد هذا الوصف التشريحي في الحاوي، لكنه التزم برأي جالينوس في المقالة. أمر محير بالتأكيد، لكن الأمر الأكثر غرابة أن الرازي في مكان آخر من الحاوي يعود ليذكر نفس رأي جالينوس في أن العرقين ينشآن من عرق واحد في مأبض الركبة.  وهنا نجد أنفسنا أمام تفسيرين محتملين للأمر؛ فإما أن الرازي تراجع عن معارضته لجالينوس فيما بعد وإما أنّ الرازي كان يقوم باستمرار بتحديث معلوماته الطبية الموجودة في الحاوي، أي أنه قام بتأليف مقالته ثم حدّثَ هذه المعلومة فيما بعد.

ينقل عن بولس قوله: "قال: عرق النسا أحد أوجاع المفاصل ويكون الوجع من خلط غليظ بلغمي يحتقن في مفصل الورك".  وقد رأينا أن الرازي اعتقد أن انصباب خلط سوداوي هو السبب في وجع عرق النسا.

في المقابل هناك تشابه بين الحاوي والمقالة فمثلاً:

في الحاوي يقول: "فأمّا المفاصل الوجعة من الدم فافصد، وإنْ فصدتَ فدبِّر العليل بعد بما لا يكثر الدم ومما يكثر الدم أكل اللحم والأشياء الحارة الحلوة والشراب وقلة الرياضة".  لقد مرّ معنا سابقاً في المقالة كلاماً يماثل في المعنى هذا الوصف إلا أنه يختلف في أسلوب التعبير عن نفس الفكرة.

في الحاوي يقول: "اليهودي استدلّ على الفضل بلون الورم وحرارته وتدبير العليل ومزاجه ونحو ذلك".

المقارنة مع كتاب المنصوري في الطب:

خصص الرازي قسماً صغيراً لا يتجاوز 3 صفحات من كتابه المنصوري للحديث عن النقرس وعرق النسا ووجع الوركين والمفاصل  وجاء حديثه موجزاً ومختصراً، وربما اقتصد الرازي عدم الإطالة لأنه قد ألّف مقالته في أوجاع المفاصل مسبقاً وقدّمها للأمير منصور ذاته. ويقول في نهاية هذا القسم: "والكلام فيه خارج عن حدّ كتابنا هذا".  مما يرجِّح الظن بأنه ألّف المقالة في أوجاع المفاصل قبل المنصوري.

ركّز الرازي على إيراد بعض الوصفات العلاجية فقط في القسم الخاص بأوجاع المفاصل والنقرس من المنصوري، حيث اكتفى بذكر 6 وصفات طبية (أدوية مركبة) وطلاء واحد لمعالجة مختلف أوجاع المفاصل والنقرس وعرّف عرق النسا فقط وكان تعريفه مختصراً وخالٍ من أيّ جديد، كما ذكر طريقة علاجه بشكل موجز جداً.

المقارنة مع كتاب التقسيم والتشجير (تقاسيم العلل):

اهتم الرازي نسبيّاً بموضوع أوجاع المفاصل في كتابه التقسيم والتشجير، حيث كرّس فصلاً للحديث عن "عرق النسا ووجع الورك"،  وآخر سمّاه "في النقرس وأوجاع المفاصل والظهر والورك".

لم يذكر الرازي في التقسيم والتشجير شيئاً جديداً زائداً على ما هو في مقالته المختصّة باستثناء أنه حاول التفريق بين وجع الورك وعرق النسا بقوله: "فإذا كان الوجع في الورك ولا ينزل عنه حتى يمتد إلى الفخذ فإنَّه وجع الورك خاصةً، وإذا امتدّ إلى الفخذ وعضلة الساق والقدم فهو عرق النسا".  وقد أصاب الرازي في ملاحظته السريرية السابقة. في باقي القسم يبدو أنه استقى معلوماته من مقالته المختصة في أوجاع المفاصل.

المقارنة مع كتاب الطب المُلوكي:

         خصّص الرازي باباً سمّاه "باب في النقرس وأوجاع المفاصل" لمناقشة هذا الموضوع في كتابه الطب المُلوكي، ومع هذا فقد جاء هذا القسم موجزاً ضئيلاً في مادته العلمية لم يتجاوز 3 صفحات  واكتفى فيه الرازي بذكر بعض الأغذية والأدوية التي تنفع من أوجاع المفاصل والنقرس، إضافة إلى نصحه للوقاية منه باجتناب اللحم والحركة فيقول: "أما في وقت الصحة، فاجتناب اللحم والعناية بالهضم فإنه لا يكاد يكون مع الاعتدال في الغذاء واستعمال الحركة من أجل أنه لا شيء أصعب على أكثر الناس من التقليل من الأغذية"،  وعلى أية حال فهذه الفكرة ليست بإضافة على مقالته المختصة بأوجاع المفاصل.

المقارنة مع كتاب ما الفارق أو الفروق أو كلام في الفروق بين الأمراض:

قمنا باستعراض كامل الكتاب، فتبيّن لنا أنّ الرازي لم يُخصِّص في كتابه "ما الفارق" أي باب أو فقرة للحديث عن أوجاع المفاصل.

 

النتائج والمناقشة:

تعتبر مقالة الرازي "أوجاع المفاصل وعلاجها" أقدم مُؤلَّف متخصص في مجال الأمراض الرثيّة (المفصلية) باقي حتى الآن.

لم يختلف أسلوب الرازي في تأليف مقالته هذه عن الأسلوب المدرسي المعتمد حالياً، من حيث اهتمامه بشرح أسباب الأمراض المفصلية، مستعيناً بفهمه العميق لتشريح الأعضاء ذات الصلة بموضوعه ووظائفها، واهتمامه بتوضيح أعراض الأمراض ثم علاجها ثم وسائل الوقاية منها.

صاغ الرازي نظرية متكاملة تشرح أوجاع المفاصل، وحاول تقريباً تفسير كل ما عرضه من أفكار استناداً إلى نظريته، وكان جريئاً في عرض نظريته رغم أنها تخالف ما يقول به العديد من الأطباء وفي مقدمتهم أبقراط.

باستثناء هذه المقالة المختصة والحاوي، فقد خَلتْ تقريباً مؤلفات الرازي الأخرى التي استعرضناها (المنصوري، التقسيم والتشجير، الطب المُلوكي، ما الفارق) من أي مادة علمية ذات أهمية متعلقة بأوجاع المفاصل.

لم يفصل الرازي أوجاع المفاصل عن النقرس في كافة مؤلفاته التي درسناها باستثناء المقالة المتخصصة التي كرّسها لأوجاع المفاصل فقط، إضافته إلى مقالته الخاصة بالنقرس.

لم يذكر الرازي المصادر التي اعتمد عليها في المقالة وجميع أقسام الكتب الأخرى التي استعرضناها باستثناء الحاوي الذي شكّل استثناءً لأسلوب الرازي في التأليف.

لا يمكن أن نقول بأي حال من الأحوال أنّ مادة مقالة الرازي المختصة بأوجاع المفاصل محتواة في الحاوي، فقد خلا الحاوي من نظرية متكاملة تُفسِّر أسباب المرض ومن شرح كافٍ لأعراض الأمراض ووسائل الوقاية منها، وكان تركيز الحاوي الأعظم مركّزاً على العلاج. إضافة لذلك، احتوت المقالة على إضافات مهمة عن الحاوي، كما ورد في الحاوي إضافات هامة على المقالة، ووُجِدَ أحياناً بعض التعارض في المعلومات الطبية بينهما، كما وُجِد أيضاً تطابق في المعاني بين الكتابين.

إنّ وصف الرازي للدورة الدموية المعوية والشعريات الدموية ومنشأ الوريد الصافن الصغير (عرق النسا) في المقالة المختصة أمر يسترعي الانتباه، وكذلك الأمر معارضة الرازي لجالينوس في كتاب الحاوي في أنّ الوريد الصافن لا يلتقي مع الوريد المأبضي عند مأبض الركبة.

اهتم الرازي في مقالته بإتباع مفهوم دراسة الحالة السريرية Case Study، ولم يكن مقتنعاً بالوصفات الطلسمية في علاج أوجاع المفاصل.

تمتّع الرازي في المقالة المختصة بأسلوب علمي متميز في وصف العلاجات الدوائية، كما قدّم وصفاً سريرياً هاماً لعرق النسا (داء فتق النواة اللبية) وطرق الوقاية منه.

خاتمة:

لا شكّ بأن الحاوي يبقى أهم وأشهر مؤلفات الرازي، إلا أنّ المقالات المختصة التي دوّنها الرازي، وعلى رأسها مقالته في أوجاع المفاصل وعلاجها، قد تحمل في طيّاتها العديد من الإضافات العلمية وتوضّح أسلوب الرازي الخاص في التأليف الطبي ونظرته الشاملة للمرض، لذلك لم يَعُدْ من الممكن أن نعتبر أن دراسة الحاوي تكفي لمعرفة جميع ما أورده الرازي في هذا المرض أو ذاك.

الوجه 1 من الورقة 1: من مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها لأبي بكر الرازي. نسخة مكتبة مالك، طهران-إيران برقم (42/i44).

  الوجه 1 من الورقة 1: من مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها لأبي بكر الرازي. نسخة مكتبة جامعة كامبردج، لندن-بريطانيا برقم (3516)

الوجه 1 من الورقة 1: من مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها لأبي بكر الرازي. نسخة مكتبة مالك، طهران-إيران برقم (4573/i8).

 

  

المصادر والمراجع:

القفطي جمال الدين علي بن يوسف، إخبار العلماء بأخبار الحكماء. الطبعة الأولى، مطبعة السعادة، القاهرة، 1908.

ابن أبي أصيبعة أحمد بن القاسم الخزرجي، عيون الأنباء في طبقات الأطباء. شرح وتحقيق نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1965.

البكري عادل، الكامل في التراث الطبي العربي. منشورات المجمع العلمي، دمشق-سوريا، الطبعة الأولى، 2005.

البيروني أبو الريحان محمد، فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي. نشر ب. كراوس 1936م. منشورات الطب الإسلامي الجزء 25، محمد بن زكريا الرازي نصوص ودراسات 2، إعادة طبع وجمع فؤاد سزكين، معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية، فرانكفورت-ألمانيا.

جالينوس، جوامع كتاب جالينوس في التشريح للمتعلمين. دراسة وتحقيق محمد ناظم مهروسة، رسالة قدمت لنيل شهادة الماجستير في تاريخ العلوم الطبية في معهد التراث العلمي العربي، 2009.

حمارنة سامي خلف، تاريخ تراث العلوم الطبية عند العرب والمسلمين. منشورات جامعة اليرموك، الأردن، 1986، المجلد الأول.

حميدان زهير، أعلام الحضارة العربية الإسلامية في العلوم الأساسية والتطبيقية. منشورات وزارة الثقافة، دمشق-سوريا، 1996، 6 مجلدات.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا ، التقسيم والتشجير (تقاسيم العلل). تحقيق وترجمة صبحي محمود حمامي، منشورات جامعة حلب، حلب-سوريا، 1992.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، الحاوي في الطب. مطبوعات دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد-الهند، الطبعة الأولى، 1962، الجزء 11.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا ، ما الفارق أو الفروق أو كلام في الفروق بين الأمراض. تقديم وتحقيق سلمان قطاية، منشورات جامعة حلب، حلب-سوريا، الطبعة الأولى، 1978.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها. مكتبة كامبردج، لندن-بريطانيا، برقم (3516)، صورة ميكروفيلمية مصورة عن المخطوط.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها. مكتبة مالك، طهران إيران برقم (4573/i8)، صورة ميكروفيلمية مصورة عن المخطوط.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، مخطوط مقالة في أوجاع المفاصل وعلاجها. مكتبة مالك، طهران إيران برقم (42/i44)، صورة ميكروفيلمية مصورة عن المخطوط.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا ، الطب المُلوكي. تحقيق ودراسة محمد ياسر زكّور، دار المنهاج، بيروت- لبنان، 2009.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، المنصوري في الطب. شرح وتحقيق وتعليق حازم البكري الصدِّيقي، منشورات معهد المخطوطات العربية، الكويت، الطبعة الأولى، 1987.

الرازي أبو بكر محمد بن زكريا، مقالة في النقرس. تحقيق يوسف زيدان، منشورات مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية-مصر، 2003.

الزركلي خير الدين، الأعلام. دار العلم للملايين، بيروت-لبنان، الطبعة الخامسة، 1980، الجزء السادس.

ششن رمضان، فهرس مخطوطات الطب الإسلامي في مكتبات تركيا- سلسلة دراسات ومصادر في تاريخ العلوم، إسطنبول-تركيا، 1984.

الطبري أبو الحسن علي بن سهل رُبّن، فردوس الحكمة في الطبّ. تحقيق محمد زبير الصديقي، طبعة آفتاب، برلين-ألمانيا، 1928.

العبادي حُنين بن إسحاق، رسالة حنين بن إسحاق إلى يحيى بن علي في ذكر ما تُرجم من كتب جالينوس. نشر بيرجشترسر جُتهلف. منشورات الطب الإسلامي ج18 (Galen in the Arabic Tradition, Texts and Studies I)، جمع وترتيب فؤاد سزكين، 1996.

عمر محمد عزت، فهرس المخطوطات المصورة (الملحق) في مكتبة معهد التراث العلمي العربي.

Snell Richard، علم التشريح السريري، الطرف العلوي-الطرف السفلي. ترجمة أكثم الخطيب وعميد روفائيل. دار الشادي، دمشق-سوريا، الطبعة الرابعة 1992.

Hippocrates, Hippocratic Writings. Translated by Francis Adams. Encyclopedia Britannica Inc., Chicago-USA, 1952.

Sezgin, Fuat,‏ Geschichte Des Arabischen Schrifttums.‏ Band (III), Leiden- E, J. Brill, 1970.‏