بيان حكم حجامة الصائم

(22) عن ثوبان قال : مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَقِيعِ فِي ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ بِرَجُلٍ يَحْـتَجِمُ ، فَقَالَ : (( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ )) . صحيح .أخرجه الطيالسى (989) ، وعبد الرزاق (7522) ، وأحمد(5/282،280،277،283)  والدارمى (1731) ، وأبو داود (2367) ، والنسائى (( الكبرى ))(2/217/3137) ، وابن ماجه (1680) ، وابن الجارود (386) ، وابن خزيمة (1963،1962) ، والطحاوى (( شرح المعانى ))(2/98) وابن حبان (3532) ، وابن قانع (( معجم الصحابة ))(1/119) ، والطبرانى (( الكبير )) (2/101/1447) ، والحاكم (1/590) ، والبيهقى (( الكبرى ))(4/265) ، وابن بشكوال (( غوامض الأسماء المبهمة ))(1/487) ، وابن عساكر (( التاريخ ))(94/412) ، وابن الجوزى (( التحقيق فى أحاديث الخلاف ))(1098) من طرق عن يحيى بن أبى كثير عن أبى قلابة عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان به . ورواه عن ابن أبى كثير : الأوزاعى ، وهشام الدستوائى ، وشيبان النحوى ، ومعمر . فأما الأوزاعى ، فقد جوَّد متنه ، وأقام إسناده ، إذ صرَّح بسماع رواته بعضهم من بعض ، كما عند ابن حبان والحاكم والبيهقى ، فقال : حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي حدثني أبو أسماء الرحبي حدثني ثوبان مولى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمان عشرة ليلة خلت من رمضان فإذا رجل يحتجم بالبقيع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) .

  قال أبو عيسى الترمذى : (( وذكر عن علي بن عبد الله المدينى قال : أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس ، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا حديث ثوبان وشداد بن أوس )) .

قال أبو عبد الله الحاكم : (( قد أقام الأوزاعي هذا الإسناد فجوده ، وبيَّن سماع كل واحد من الرواة من صاحبه ، وتابعه على ذلك : شيبان بن عبد الرحمن النحوي ، وهشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وكلهم ثقات فإذن الحديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه )) .

قلت : هو كما قال إلا قوله على شرطهما ، فإن البخارى لم يخرِّج شيئاً لثوبان ، ولا لأبى أسماء الرحبى !! .

ولم يتفرد يحيى بن أبى كثير عن أبى أسماء ، فقد تابعه : راشد بن داود الصنعانى ، والعلاء بن الحارث عن مكحول ، كلاهما عن أبى أسماء الرحبى به .

أخرجه النسائى (( الكبرى ))(2/216/3136) ، والطبرانى (( الأوسط ))(8/200/8396) ، والبيهقى (4/265) جميعا عن راشد بن داود ، والنسائى (2/216/3135) ، والطبرانى (( الشاميين ))(1519) كلاهما عن العلاء بن الحارث عن مكحول ، كلاهما ـ راشد ومكحول ـ عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان به .

وللحديث طرق عن ثوبان ، وليس ذا موضع بسطها ، وإنما اقتصرنا على أصحها .

(23) عن شداد بن أوس قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي ، فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ )) . صحيح . وهو مروى عنه من وجوه :

( الأول ) أبو الأشعث عن شداد . رواه هكذا أربعة من الحفاظ : أيوب ، ومنصور بن زاذان ، وعاصم الأحول ، وخالد الحذاء . ولم يُختلف على خالد ومنصور على روايتهما ، وإنما وقع الاختلاف على أيوب والأحول ، وهو عن ثانيهما أوسع . فقد أخرجه الشافعى (( المسند ))(ص169) ، وابن حبان (3534) ، والبيهقى (4/268) ثلاثتهم عن عبد الوهاب بن عبد المجيد ، وأحمد (4/122) ، والطبرانى (7/277/7127) كلاهما عن إسماعيل بن علية ، والنسائى (( الكبرى ))(2/221/3153) ، والطبرانى (( الكبير ))(7/277/7128) كلاهما عن يزيد بن زريع ، والنسائى (( الكبرى ))(2/217/3138) ، والطبرانى (7/277/7129) كلاهما عـن هشيم ، والطبرانى (( الكبير ))(7/276/7124) ، وابن شاهين (( الناسخ والمنسوخ ))(406) كلاهما عن الثورى ، والنسائى (( الكبرى ))(2/220/3152) عن ابن أبى عدى ، ستتهم ـ الثـورى وابن علية وابـن زريع وابن أبى عدى وعبد الوهاب الثقفى وهشيم ـ عـن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى الأشعث عن شداد قال :كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم زمان الفتح ، فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة ليلة خلت من رمضان ، فقال وهو آخذ بيدي : (( أفطر الحاجم المحجوم )) . وفى رواية الثورى سمى الرجل (( معقل بن يسار )) .وأخرجه النسائى (( الكبرى ))(2/217/3138) ، والطحاوى (( شرح المعانى ))(2/99) ، والطبرانى (7/277/7129) ، والبيهقى (4/267) جميعاً عن هشيم عن منصور وخالد عن أبى قلابة عن أبى الأشعث عن شداد بنحوه .   قلت : وقد صرح هشيم بالسماع من منصور والحذاء عند النسائى ، فانتفت عنه تهمة التدليس .

 

وهذا الوجهان لا اختلاف على روايتهما ، فهما أرجح روايات هذا الحديث ، وهو اختيار الإمامين : على بن المدينى ، والبخارى .

قال الحافظ الزيلعى (( نصب الراية ))(2/472) : (( قال الترمذي في (( علله الكبرى )) : قال البخاري : ليس في هذا الباب أصح من حديث ثوبان وشداد بن أوس ، فذكرت له الاضطراب ، فقال : كلاهما عندي صحيح ، فإن أبا قلابة روى الحديثين جميـعا ، رواه عن أبي أسماء عن ثـوبان ، ورواه عن أبي الأشعث عن شداد . قال الترمذي: وكذلك ذكروا عن ابن المديني أنه قال : حديث ثوبان وحديث شداد صحيحان )) .  

أما رواية أيوب . فقد أخرجها أحمد (4/124) عن حماد بن زيد ، وأبو داود (2369) ، والحاكم (1/593)  والبيهقى (4/265) ثلاثتهم عن وهيب ، كلاهما عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى الأشعث عن شداد به . وخالفهما معمر . فقد أخرجه عبد الرزاق (5719) ، وأحمد (4/123) ، والطبرانى (( الكبير )) (7/285/7147) ثلاثتهم عن معمر عن أيوب عن أبى قلابة عن أبى الأشعث عن أبى أسماء عن شداد . قـلت : ومعمر فى البصريين ليس بذاك ، وحماد ووهيب فى حديث بلديهما أثبت وأحفظ .  

وأما رواية عاصم الأحول ، ففيها خلاف واسع . فقد أخرجها الطيالسى (1118) ، وأحمد (4/124) كلاهما عن شعبة ، الحاكم (1/593) عن شعبة والثورى ، والنسائى (( الكبرى ))(2/220/3151،3150،3149) عن شعبة وهشام بن حسان وسفيان ابن حبيب ، والطبرانى (7/276/7126،7124،7123) عن شعبة والثورى وهشام ، وعبد الرزاق (7520) ، والطبرانى (( الكبير ))(7/276/7125) كلاهما عن معمر ، خمستهم عن عاصم عن أبى قلابة عن أبى الأشعث عن شداد به .

قـلت : فهؤلاء خمسة من الحفاظ الثقات : الثورى وشعبة وهشام وسفيان بن حبيب ومعمر ، يروونه عن عاصم بمثل إسناد خالد الحذاء ومنصور بن زاذان .

وخالفهم زائدة وابن أبى عروبة وابن المبارك وعبد الواحد بن زياد ويزيد بن هارون ، كما سيأتى بيانه .

( الثانى ) أبو الأشعث عن أبى أسماء الرحبى عن شداد .

فقد أخرجه أحمد (4/124،123) عن ابن أبى عروبة ويزيد بن هارون ، والنسائى (( الكبرى )) (2/219/3148،3147) عن زائدة ويـزيد ، وابن أبى شيبة (2/306/9298) ، والدارمى (1667) كلاهما عن يزيد ، وابـن حبان (3533) عن ابـن المبارك ، والطبرانى (( الكبير ))(7/286/7152) عن عبد الواحد ، خمستهم ـ زائدة وابن أبى عروبة وابن المبارك وعبد الواحد ويزيد ـ عن عاصم الأحول عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء الرحبي عن شداد به .

وأخــرجه أحمد (4/124) ، والنسائى (( الكبرى ))(2/219/3145) ، والبـزار (3474) ، والطبرانى (( الكبير ))(7/286/7150) أربعتهم عن ابن فضيل عن داود بن أبى هند عن أبى قلابة  بمثله .

 قال أبو بكر البزار : (( والحديث حديث خالد الحذاء . وأما حديث داود بن أبي هند عن أبي قلابة ، فلا نعلم أحدا أسنده إلا محمد بن فضيل ، ولا نعلم أسند داود بن أبي هند عن أبي قلابة غير هذا الحديث )) .   

وأخرجه أحمد (4/124) قال : حدثنا محمد بن يزيد ثنا أبـو العلاء القصاب عن قتـادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء عن شداد بن أوس به .

واختلف على قتادة فى روايته على وجوه أخري .

فقد أخرجه الطبرانى (7/287/7154) عن يزيد بن هارون ثنا أبو العلاء عن قتادة عن أبى أسماء عن شداد ، فأسقط من الإسناد أبا الأشعث ، وأبا قلابة .

وأخرجه (7/277/7131) عن شيبان بن فروخ ثنا سويد أبو حاتم عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد ، فأسقط من الإسناد أبا أسماء .

وأخرجه (7/286/7153) عن عمرو بن عاصم عن همام عن قتادة عن أبي قلابة عن أبى أسماء عن شداد ، فأسقط من الإسناد أبا الأشعث .

قـلت : وهذا اضطراب بيِّن ، انضاف إليه ضعف أبى العلاء وأبى حاتم سويد ، مع تدليس قتادة .

( الثالث ) أبو قلابة عن شداد .وهذا مرسل .

فقد أخرجه أبو داود (2367) ، وابن ماجه (1681) كلاهما عن شيبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبي قلابة أخبره أن شداد بن أوس به .

قـلت : والراجح من هذه الأوجه كلها الأول ، كما سبق بيان ترجيحه عن ابن المدينى والبخارى والبزار .   

 

(24) عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ )) . صحيح . أخرجه أحمد (3/465) ، والترمذى (774) ، وابن خزيمة (1964) ، وابن حبان (3535) ، والطبرانى (( الكبير ))(4/242/4257) ، والحاكم (1/591) ، والبيهقى (( الكبرى )) (4/265) ، وابن الجوزى (( التحقيق فى أحاديث الخلاف ))(1097) جميعاً عن عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن السائب بن يزيد عن رافع بن خديج به .

 قال أبو عيسى : (( حديث حسن صحيح . وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قـال : أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج ، وذكر عن علي بن عبد الله أنه قـال : أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس ، لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعا : حديث ثوبان ، وحديث شداد بن أوس )) .

وقال ابن أبى حاتم (( علل الحديث ))(1/249/732) : (( قال أبى : وإنما يروى بذلك الاسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( أنه نهى عن كسب الحجام ومهر البغي )) ، وهذا الحديث في (( أفطر الحاجم والمحجوم )) عندي باطل )) .

وفى (( علل الترمذى ))(1/122) للقاضى أبى طالب : (( قال أبو عيسى : وسألت إسحاق بن منصور عنه ، فأبى أن يحدث به عن عبد الرزاق ، وقال : هو غلط . وسألت محمدا عن هذا الحديث ، فقال : محفوظ )) .   

  قـلت : قد كان يجوز أن يكون الحديث غلطاً ، لو تفرد معمر عن يحيى بن أبى كثير ، فإن فى روايته عنه غلط كثير وأوهام ، ولهذا قال يحيى بن معين : إذا حدثك معمر عن العراقيين فخـفه ، إلا عـن الزهـري وابن طاوس ، فإنه حديثه عنهما مستقيم ، فأما أهل الكوفة وأهل البصرة فلا . ولكن لم يتفرد معمر عــن ابن أبى كثير ، فقد تابعه معاوية بن سلام ، فصح الحديث بهذا الإسناد . أخرجه الحاكم (1/592) ، والبيهقى (( الكبرى ))(4/265) عن الربيع بن نافع ثنا معاوية بن سلام عن يحيى ابن أبي كثير بإسناده بنحوه .

(25) وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ . صحيـح . أخرجه البخارى (1/332. سندى ) ، وأبو داود (2372) ، والنسائى (( الكبرى )) (2/233/3217،3218،3219) ، والطحاوى(( شرح المعانى ))(2/101) ، وابن حبان (3531) ، والطبرانى (( الكبير )) (11/317/11859،11860) ، والحاكم (1/593) ، والبيهقى (( الكبرى )) (4/263) ، وابن الجوزى (( التحقيق فى أحاديث الخلاف ))(1104) من طرق عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس به .

قلت : وهو مروى عن ابن عباس من غـير وجهٍ ، يرويه عنه : عكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومقسم ، وعطاء ، وميمون بن مهران ، والشعبى . وهو مستفيض مشهور عن عكرمة ، رواه عنه جماعة أجلهم وأثبتهم : أيوب .

 

(26) وعن ثابت البناني أنه سأل أنس بن مالك : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ ، قال : لا ، إلا من أجل الضعف . صحيح . أخرجه ابن الجعد (( المسند ))(1466) عن أبى النضر ، والطحاوى (( شرح المعانى )) (2/100) عن عبد الرحمن بن زياد ، كلاهما عن شعبة عن حميد قال : سأل ثابت البناني أنس بن مالك هل كنتم تكرهون الحجامة للصائم قال : فذكره .

وأخرجه البيهقى (( الكبرى ))(4/263) من طريق إبراهيم بـن الحسين بن ديزيل ثنا آدم ثنا شعبة عن حميد قال : سمعت ثابت البناني وهو يسأل أنس بن مالك : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ ، قال : فذكره .

وهو فى (( صحيح البخارى ))(1/332) : حدثنا آدم ثنا شعبة قال : سمعت ثابتا البناني يسأل أنس بن مالك : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ ، قال : لا ، إلا من أجل الضعف . وزاد شبابة ثنا شعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم .     

 قال الحافظ ابن حجر (( تغليق التعليق ))(3/182) : (( حديث آدم عند البخاري مما وقع فيه الخلل ممن هو دونه ، فقد رواه أبو ذر عن مشايخه على الصواب ، ولكن وقع في كثير من الروايات سمعت ثابتا البناني يسأل أنس بن مالك ، وهو خطأ . وقد رواه إبراهيم بـن الحسين بن ديزيل الحافظ ، وجعفر بن محمد القلانسي ، وأبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلاني ، وغيرهم عن آدم عن شعبة عن حميد الطويل قال : سمعت ثابتا يسأل أنسا . وهذا هو الذي لا يتجه غيره ، فإن شعبة لم يلحق أنسا ، ولم يسمع منه ، وإن كان بعضهم أثبت له رؤية )) .

*****

(27) وعن أنس بن مالك قال : أول ما كرهت الحجامة للصائم ، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ، فمر به النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : أفطر هذان ، ثم رخص النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بعد في الحجامة للصائم ، وكان أنس يحتجم وهو صائم . صحيح . أخرجه الدارقطنى (2/182) قال : حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا خالد بن مخلد نا عبد الله بن المثنى عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال : أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : (( أفطر هذان )) ، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم ، وكان أنس يحتجم ، وهو صائم  .

وأخرجـه البيـهقى (( الكبرى ))(4/268) ، وابن الجوزى (( التحقيق فى أحاديث الخلاف ))(1106) ، والضياء (( الأحاديث المختارة ))(5/126/1748) ، وابن بشكوال (( غوامض الأسماء المبهمة ))(1/488) جميعاً بإسناد الدارقطنى ومتنه .

قال أبو الحسن الدارقطنى : (( كلهم ثقات ، ولا أعلم له علة )) .

وقال الحافظ الزيلعى (( نصب الراية ))(2/480) : (( قال (( صاحب التنقيح )) : هذا حديث منكر ، لا يصح الاحتجاج به ، لأنه شاذ الإسناد والمتن . وكيف يكون هذا الحديث صحيحا سـالما من الشذوذ والعلة ، ولم يخرجه أحد من أصحاب (( الكتب الستة )) ، ولا هو في المصنفات المشهورة ، ولا في السنن المأثورة ، ولا في المسانيد المعروفة ، وهم يحتاجون إليه أشد احتياج ، ولا نعرف أحدا رواه في الدنيا إلا الدارقطني  . ثم إن خالد بن مخلد القطواني ، وعبد الله بن المثنى ، وإن كانا من رجال الصحيح فقد تكلم فيهما غير واحد من الأئمة . قال أحمد بن حنبل : خالد له أحاديث مناكير . وقال ابن سعد : منكر الحديث مفرط التشيع . وقال السعدي : كان معلنا بسوء مذهبه . ومشاه ابن عدي فقال : هو عندي إن شاء الله لا بأس به . وأما ابن المثنى ، فقال أبو عبيد الآجري : سألت أبا داود عن عبد الله بن المثنى الأنصاري ، فقال : لا أخرج حديثه . وقال النسائي : ليس بالقوي . وذكره ابن حبان في (( الثقات )) ، وقال : ربما أخطأ . وقال الساجي : فيه ضعف ، لم يكن صاحب حديث . وقال الموصلي : روى مناكير . وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تكلم فيه فإنهم يدعون من حديثه ما تفرد به ، وينتقون ما وافق فيه الثقات ، وقامت شواهده عندهم .

وأيضا فقد خولف عبد الله بن المثنى في رواية هذا الحديث عن ثابت البنانى ، خالفه شعبة بن الحجاج ، كما هو في صحيح البخاري )) اهـ .

     قـلت : عجيب غريب هذا الدفع للحديث من الحافظ ابن عبد الهادى الدمشقى ، فإن لم تكن (( سنن الدارقطنى )) ، و(( السنن الكبرى )) للبيهقى ، و(( الأحاديث المختارة )) للضياء ، من المصنفات المشهورة ، فما هى إذن ؟! .

والجواب على هذا من الواجب المتعين على الحافظ ، ما دامت صحة الأحاديث منوطة بتخريجها فيها ، وهيهات أن يحدد لها جواباً قاطعاً ، فليس مصنَّف مما سيذكره الحافظ إلا وقد فاته من الصحاح أضعاف ما أخرجه . فهذا إمام المحدثين يقول : صنفت (( الجامع الصحيح )) من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله . فكم من صحاح الأحاديث إذن فى الخفايا !! .  

وأما عبد الله بن المثنى ، وخالد بن مخلد القطوانى ، فكلاهما ثقتان ، احتج بهما الشيخان فى (( الصحيحين )) . والقطوانى ثقة صدوق على تشيع فيه ، وكان كثير الحديث ، وهو فى عداد المكثرين من محدثى الكوفة . وقد أخرج له البخارى فى (( صحيحه )) ثلاثين حديثاً . وأما مناكيره ، فقد ساق له ابن عدى فى (( الكامل )) عشرة أحاديث ، وليس  هذا الحديث منها ، ولا يستنكر تفرده ، فله شاهد بسند صحيح من حديث أبى سعيد الخدرى ، وهو التالى .

وأما دعوى معارضة هذا الحديث للأخر عن ثابت أنه سأل أنس : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ، فقال : لا  إلا من أجل الضعف ، فلا تعارض بينهما ، بل هما متفقان على ثبوت الرخصة فى حق الصائم ، فإن الجواب بلا عمن سأل عن كراهتها للصائم يفيد أنها غير مكروهة بإطلاق ، وإنما تكره لمن يخشى الجهد والضعف ، ولهذا وردت الرواية عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس  قال : ما كنا ندع الحجامة إلا كراهة الجهد .

 

(28) عن أبي سعيد الخدري : أن النَّبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رخص في الحجامة للصائم .

وأما الحجامة للصائم وأحكامها ، ففيها ثلاث مسائل :

[ المسألة الأولى ] أحاديث حجامة الصائم على نوعين :

( النوع الأول ) أحاديث الفطر بالحجامة للحاجم والمحجوم ، وهى متعددة الطرق رواها عن النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة عشر نفساً : ثوبان ، وشداد بن أوس ، ورافع بن خديج ، وأبو هريرة ، وعائشة ، وبلال ، وأسامة بن زيد ، ومعقل بن سنان ، وعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص  وأبو زيد الأنصاري ، وأبو موسى الأشعري ، وابن عباس ، وابن عمر .

وأكثر هذه الأحاديث ضعاف ، وإنما اقتصرنا على الصحاح منها ، ونحن نتحنث من ذكر باقيها .

وقد حكى أبو عيسى الترمذي عن علي بن المديني أنه قال : أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس . صحيح . أخرجه الطبرانى (( الأوسط ))(3/138/2725) ، والدارقطنى (2/183/15) ، والبيهقى (( الكبرى ))(4/264) من طريق معتمر بن سليمان عن حميد عن أبي المتوكل الناجى عن أبي سعيد به .

وأخرجه الدارقطنى (2/182/10،9) ، والبيهقى (4/264) كلاهما من طريقى إسحاق الأزرق والأشجعى مفرقين عن الثورى عن خالد الحذاء عن أبى المتوكل عن أبى سعيد به نحوه .

قال أبو عيسى الترمذي : (( وسألت البخاري فقال : ليس في هذا الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس وثوبان ، فقلت له : كيف وما فيه من الاضطراب ؟ ، فقال : كلاهما عندي صحيح ، لأن يحيى بن أبى كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان ، وعن أبي الأشعث عن شداد بن أوس الحديثين جميعاً )) .

وحكى أبو بكر البيهقى عن أحمد بن حنبل قوله : أحاديث أفطر الحاجم والمحجوم ولا نكاح إلا بولي أحاديث يشد بعضها بعضا وأنا أذهب إليها . وعن إسحاق بن راهويه قوله :  حديث شداد بن أوس هذا إسناد صحيح تقوم به الحجة ، وبه نقول .

وبهذه الأحاديث قال بعض الصحابة : على بن أبى طالب ، وأبو موسى الأشعرى ، وابن عمر آخر أمره ، وكان يرى الرخصة أول أمره . وذهب إلى الفطر من التابعين : عطاء بن أبي رباح ، ومسروق ، والحسن ، وابن سيرين . وبه قال : عبد الرحمن بن مهدي ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو بكر بن المنذر ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة . والمشهور عن أحمد ابن حنبل التغليظ في ذلك . قال أحمد : إن احتجم في رمضان فقد أفطر يقضي يوما مكانه . وقال أبو بكر المروزي : احتجمت في صيام التطوع ، فقال لي أحمد بن حنبل : قد أفطرت 0

( النوع الثانى ) أحاديث إباحة الحجامة للصائم ، وتروى عن ابن عباس ، وأنس ، وأبى سعيد الخدرى ، وكلها صحاح ثابتة . وممن ذهب إلى الرخصة والقول بأن الحجامة لا تبطل الصوم : سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، وأبو سعيد الخدرى ، والحسين بن علي ، وزيد بن أرقم ، وعائشة ، وأم سلمة . ومن التابعين : عروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، والشعبى ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وطاوس . وبها قال جمهور العلماء : مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعى ، وداود الظاهرى .

[ المسألة الثانية ] قال يحيى بن يحيى (( الموطأ ))(1/278) : باب ما جاء في حجامة الصائم  . عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر : أنه كان يحتجم وهو صائم ، قال : ثم ترك ذلك بعد ، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر . وعن مالك عن ابن شهاب : أن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان . وعن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه : أنه كان يحتجم وهو صائم ،  ثم لا يفطر . قال : وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم .

قال مالك : لا تكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يضعف ، ولولا ذلك لم تكره . ولو أن رجلا احتجم في رمضان ، ثم سلم من أن يفطر ؛ لم أر عليه شيئا ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه ، لأن الحجامة إنما تكره للصائم لموضع التغرير بالصيام . فمن احتجم وسلم من أن يفطر حتى يمسي ؛ فلا أرى عليه شيئا ، وليس عليه قضاء ذلك اليوم .

وفى (( الأم ))(2/97) للإمام الشافعى : (( قال الربيع بن سليمان : قال الشافعي : قال بعض أصحابنا لا بأس أن يحتجم الصائم ، ولا يفطره ذلك . أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر : أنه كان يحتجم وهو صائم ثم ترك ذلك . وأخبرنا مالك عن هشام بن عروة : أنه لم ير أباه قط احتجم إلا وهو صائم . قال الشافعي : وهذا فتيا كثير ممن لقيت من الفقهاء ، وقد روي عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) ، وروي عنه : أنه احتجم صائماً .

 قال الشافعي : ولا أعلم واحدا منهما ثابتاً ، ولو ثبت واحد منهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلم  قلت به ، فكانت الحجة في قوله ، ولو ترك رجل الحجامة صائما للتوقي كان أحب إلىَّ ، ولو احتجم لم أره يفطره )) .

وفى (( اختلاف الحديث ))(1/197) له : (( قال الربيع بن سليـمان : قال الشـافعي : أخـبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال : كنت مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زمان الفتح ، فرأى رجلا يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان ، فقال وهو آخذ بيدي : أفطر الحاجم والمحجوم . أخبرنا سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس : أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجم محرما صائما.

قال الشافعي : وسماع شداد بن أوس عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح ، ولم يكن يومئذ محرما ، ولم يصحبه محرم قبل حجة الإسلام ، فذكر ابن عباس حجامة النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام حجة الإسلام سنة عشر ، وحديث (( أفطر الحاجم والمحجوم )) في الفتح سنة ثمان قبل حجة الإسلام بسنتين . قال الشافعي : فإن كانا ثابتين ، فحديث ابن عباس ناسخ ، وحديـث إفطار (( الحاجم والمحجوم )) منسوخ .

قال : وإسناد الحديثين معا مشتبه ، وحديث ابن عباس أمثلهما إسناداً ، فإن توقى رجل الحجامة كان أحب إليَّ احتياطا ، ولئلا يعرض صومه أن يضعف فيفطر ، وإن احتجم فلا تفطره الحجامة إلا أن يحدث بعدها ما يفطره .

قال الشافعي : ومع حديث ابن عباس القياس ؛ أن ليس الفطر من شيء يخرج من جسده إلا أن يخرج الصائم من جوفه متقيأ ، وأن الرجل قد يقبل وهو متلذذ فلا يبطل صومه ، ويعرق ويتوضأ ويخرج منه الخلاء والريح والبول ويغتسل ويتنور فلا يبطل صومه ، وإنما يفطر من إدخال شئٍ البدن ، أو التلذذ بالجماع أو التقييء ، فيكون على هذا إخراج شيء من جوفه كما عمد إدخاله فيه  قال : والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتابعين وعامة المدنيين أنه : لا يفطر أحد بالحجامة )) .

وقال أبو جعفر الطحاوى (( شرح معانى الآثار ))(2/101) : (( حدثـنا ابن أبى داود ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو صائم . فدل فعله هذا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن الحجامة لا تفطر الصائم ، ولو كانت مما يفطر الصائم إذن لما احتجم وهو صائم . فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح الآثار ، وأما وجهه من طريق النظر ، فإنا رأينا خروج الدم أغلظ أحواله أن يكون حدثاً ينتقض به الطهارة ، وقد رأينا الغائط والبول خروجهما حدث ينتقض به الطهارة ، ولا ينقض الصيام ، فالنظر على ذلك أن يكون الدم كذلك ، وقد رأينا الصائم لا يفطره فصد العرق ، فالحجامة في النظر أيضا كذلك . وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى . وقد حدثنا محمد بن خزيمة ثنا حجاج ثنا حماد عن يحيى بن سعيد : أن سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد كانا لا يريان بالحجامة للصائم ، أرأيت لو احتجم على ظهر كفه أكان ذلك يفطره ؟ )) .

وقال : (( قالوا : ليس فيما رويتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله (( أفطر الحاجم والمحجوم )) ؛ ما يدل على أن ذلك الفطر كان من أجل الحجامة ، قد يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما أفطرا بمعنى آخر ، وصفهما بما كانا يفعلانه حين أخبر عنهما بذلك .

وقد روى عن أبى الأشعث الصنعاني وهو أحـد من روى ذلك الحديث في هذا المعنى ، ما حدثناه ابن أبى داود قال ثنا الوحاظي  ثنا يزيـد بن ربيعة الدمشقي عن أبى الأشعث الصنعاني قال : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) ، لأنهما كانا يغتابان . وهذا المعنى معنى صحيح ، وليس افطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ، ولكنه حبط أجرهما باغتيابهما ، فصارا بذلك مفطرين لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء ، وهذا كما قيل : الكذب يفطر الصائم ، ليس يراد به الفطر الذي يوجب القضاء ، إنما هو على حبوط الأجر بذلك ، كما يحبط بالأكل والشرب )) .

     قـلت : وهذا الوجه الذى ذكره أبو جعفر الطحاوى من أن فطرهما كان بالغيبة من أبعد الوجوه وأعجبها ، وعليه مؤاخذات :

( الأولى ) أن الحديث المحتج به حكم الإمام على بن المدينى : أنه بـاطل ، وفيه يزيـد بن ربيعة أبو كامل الرحبي الدمشقي الصنعاني . قال البخاري : أحاديثه مناكير . وقال السعدي : أحاديثه أباطيل أخاف أن تكون موضوعة . وقال أبو حاتم الرازي  : ضعيف الحديث منكر الحديث واهي الحديث ، وفى روايته عن أبى الأشعث عن ثوبان تخليط كثير . وقال النسائي : متروك الحديث .

وقال ابن حبان : كان صدوقا إلا انه اختلط في آخر عمره فكان يروي بأشياء مقلوبة لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد .

( الثانية ) أن أحداً لم يقل بأن الغيبة تفطر الصائم حقيقةً ، ولهذا قال أبو بكر بن خزيمة : (( جاء بعضهم بأعجوبة ، فزعم أنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما قال : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) ، لأنهما كانا يغتابان . فإذا قيل له : فالغيبة تفطر الصائم ؟ ، قال : لا ، فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بحجة !! )) .

( الثالثة ) قوله (( أنه لا يراد به الفطر الموجب للقضاء ، وإنما يراد به حبوط الأجر )) ، القائل بهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار ، أو كلابس ثوبى زور لا يسترانه ، إذ كيف يحبط أجر من فعل مباحاً مأذوناً فى فعله ؟! ، وهل عُرف من أحكام الشارع إذنه فى فعلٍ ، ثم معاقبة فاعله وتأثيمه ؟ .

( الرابعة ) قال الحافظ ابن القيم : (( وأما الجواب : بأن الفطر فيها لم يكن للحجامة ، وذكر الحاجم للتعريف المحض كزيد وعمر ، ففي غاية البطلان من وجوه :

( أحدها ) أن ذلك يتضمن الإبهام والتلبيس ، بأن يذكر وصفا يرتب عليه الحكم ، ولا يكون له فيه تأثير البتة .    

( الثاني ) أن هذا يبطل عامة أحكام الشرع التي رتبها على الأوصاف ، إذا تطرق إليها هذا الخيال والوهم ، كقوله تعالى (( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما )) و(( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما )) و(( واللاتي يأتين الفاحشة )) ، ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رتبت عليها الأحكام . فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام .

( الثالث ) أنه لا يفهم قط أحد ، لا من الخاصة والعامة ، من قول القائل : القاتل لا يرث ، والعبد لا يرث ، والكافر لا يرث ، والقاذف لا تقبل شهادته ، والمحدث لا تصح صلاته ، وأمثال ذلك ، إلا تعلق الأحكام بتلك الأوصاف . ولهذا لا يحسن ذكر وصف لا تأثير له في الحكم ، فكيف يضاف ذلك إلى الشارع ، سبحانك هذا بهتان عظيم .

( الرابع ) أن هذا قدح في أفهام الصحابة ، الذين هم أعرف الناس ، وأفهم الناس بمراد نبيهم ، وبمقصود كلامه . وقد قال أبو موسى لرجل قال له : ألا تحتجم نهارا ! ، قال : أتأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم ، وقد سمعت رسول الله يقول : (( أفطر الحاجم والمحجوم )) . والذين فطروا بذلك من الصحابة : كعلي ، وأبي موسى وغيرهم ، إنما يحتجون بالحديث . وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليـلا ، منهم : عبد الله بن عمرو ، وابـن عباس ، وأبو موسى ، وأنس ، ويحتجون بالحديث )) .

     وخلاصة القول : أن حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم )) صحيح لا ريب فيه ، وقد ثبت العمل به زمناً على عهد رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعد زمنه ، ولولا ورود الرخصة فى الحجامة للصائم ، بالأحاديث المتيقن ثبوتها وصحتها ، لقلنا بموجب حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم )) ، أما وقد قال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه )) ، فقد تعين قبول الرخصة ، لأنها متيقنة بعد النهي ، وبهذه الرخصة جازت الحجامة للصائم .

[ المسألة الثالثة ] قد بان مما نقلناه من أقوال المرخصين فى الحجامة للصائم ، أنهم أجابوا عن أحاديث الفطر بأجوبة :

( الأول ) أنها معلولة وأن أحاديث الرخصة أمثل إسناداً .

( الثاني ) أنها منسوخة بأحاديث الرخصة .

( الثالث ) أن الفطر فيها لم يكن لأجل الحجامة بل لأجل الغيبة ، وذكر الحاجم والمحجوم للتعريف لا للتعليل .

( الرابع ) أن الفطر فيها ليس على الحقيقة ، ولكن على معنى التعرض لأن يفطر ، لما يلحقه من الضعف والجهد .

( الخامس ) أنه على الحقيقة ، وأن مرور النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بهما كان مساءاً في وقت الفطر ، فأخبر أنهما قد افطرا ودخلا في وقت الفطر يعني فليصنعا ما أحبا .     

( السادس ) أنه تغليظ ودعاء عليهما ، لا أنه خبر عن حكم شرعي بفطرهما .

( السابع ) أن على التنزيه والتوقى عما يبطل ثواب صومهما .

( الثامن ) أنه لو قدر تعارض الأخبار جملة لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى ، لتأيدها بالقياس وشواهد أصول الشريعة لها ، إذ الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه .

وقد أجاب القائلون بالفطر على أكثر هذه الاستدلالات ودفعوها ، ومع ذا فقد بقيت الحجة قائمة للترخيص فى الحجامة للصائم بطريقين صحيحين لا مطعن فى واحدٍ منهما إلا بنوع تعسف :

( أولهما ) ما صحَّ عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أرخص في الحجامة للصائم . ولفظة أرخص لا تكون إلا بعد نهى ، فهى قرينة تؤيد القول بنسخ حديث إفطار المحجوم ، وإن كانت دلالة حديث ابن عباس على النسخ غير ناهضة بالحجة ، لعدم الجزم بتوقيت حجامته صلَّى الله عليه وسلَّم صائماً على وجه القطع والتعيين .

( ثانيهما ) قوة الحجة فى العمل بالرخصة بتأيدها بالقياس وشواهد أصول الشريعة .

قال ابن ابى شيبة (2/308/9319) : حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس : في الحجامة للصائم ، قال : الفطر مما دخل وليس مما يخرج.

 

في حالة نسخ أي صفحة من صفحات هذا الموقع الرجاء ذكر المصدر على النحو التالي

 موقع الطب الشعبي

العودة للصفحة الرئيسية